الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٠٧ - قدوم هارون الرشيد المدينة
فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز والعراق : هل أنكرتم شيئا من هذا العلم ؟ قالوا : ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر الدماء ، والتدمية في القتل ، فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم وأبطله ، يقول الرجل : قتلني فلان فيقبل منه ، ويحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا ، ثم يقتل ، ولعل أولياءه لم يحضروا ، ولم يكونوا بمصر ، فيعرض بهم الحنث في الأيمان ، فيقبل قول رجل من غيره ، وهو لا يقبل في ربع دانق [١] يدعيه إلا ببينة تقوم ، إن هذا لهو الضلال [٢] . وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس حيث قال : " لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى ناس دماء أقوام وأموالهم ، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " [٣] . قال الرشيد : ويحكم ، إن في كتاب الله ما يصدق ذلك ، ولا إخال أبا عبد الله أخذه إلا من كتاب الله فاستثبتوه . فأرسل إليه فأقبل . فقال هارون : يا أبا عبد الله ، إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في الانكار عليك فيما وضعت في موطئك من التدمية . وتصديق قول من ادعى ، وأنت وهم تزعمون بطل دعوى من ادعى على رجل دانقا إلا ببينة تقوم له ، فأخبر القوم ، وأوضح لهم حجتك في ذلك وأنا معك عليهم ، فإني لا أعلم بعد أمير المؤمنين أحدا أعلم منك ، فقال مالك : يا أمير المؤمنين ، إن مما يصدق القسامة [٤] ما في كتاب الله من القتل ، والأخذ بالدم الذي كان في بني إسرائيل .
قال الله عز وجل : ( اضربوه ببعضها ) [ البقرة : ٧٣ ] فذبحت البقرة ، ثم ضربوه بعضو من أعضائها [٥] ، فحيي القتيل ، ثم تكلم . فقال : فلان قتلني ، فقتله موسى بن عمران عليه السلام بقوله ذلك ، وهو حكم التوراة ، فيها هدى ونور
[١] الدانق : سدس درهم .
[٢] راجع رأي مالك في الموطأ - كتاب القسامة ص ٦٣٣ وما بعدها .
[٣] أخرجه البخاري في الرهن ( ٦ ) والترمذي في الأحكام ( ١١ ) وابن ماجة في الأحكام ( ٧ ) .
[٤] القسامة بالفتح قال في النهاية : " اليمين ، كالقسم ، وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرا عن استحقاقهم دم صاحبهم ، إذا وجدوه بين قوم ولم يعرف قاتله ، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينا ولا يكون فيهم صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد ، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم ، فإن حلف المدعون استحقوا الدية . وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية . وقد أقسم يقسم قسما وقسامة إذا حلف " .
[٥] اختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل لسانها وقيل فخذها اليمنى وقيل ذنبها وقيل العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الكتف وقيل البضعة بين الكتفين ( تفسير الرازي ١ / ١٢٥ ) .