الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢١٦ - ذكر الحائك المتطفل
فلو أن للشكر شخصا يرى * إذا ما تأمله الناظر لمثلته لك حتى تراه * فتعلم أني امرؤ شاكر قال عمرو بن مسعدة : ثم قال لي هارون : ويحك ، لما أبطأت حلفت بالمشي إلى الكعبة أن ينالك مني يوم سوء ، ولا والله ما هذا جزاؤك لدي فما الرأي ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنت أعلى عينا ، وأولى من بر يمينه . فقال :
والله ما أريد ذلك . قلت : فليكفر أمير المؤمنين عن يمينه ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال : " من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر ، وليأت الذي هو خير " : فقال : ويحك ، إن العلماء لم يروا الكفارة في هذا ، وإنما تأولوا قوله عليه الصلاة والسلام في الأيمان بالله تعالى ، وقد أجمعت على المشي ، والمضي إلى الكعبة راجلا . فقلت : أنى لك بذلك ؟ وكيف تصل راجلا ؟ قال : لا بد من ذلك . فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ، فأمهل عامك هذا حتى أسهل لك طريقا ، وأحدد لك مراحل ، وأوقت لك مواقيت يسهل عليك ذلك إن شاء الله . قال :
ذلك لك . فأمر عمرو بالأنهار فعرجت عن مسيلها ، وبالآكام والجبال فسويت ، وبالخنادق والأودية فردمت ، حتى صار ما بينه وبين مكة كالراحة الموزونة ، وصارت الأنهار والأودية تسايره على طريقه ، ثم صنع له مراحل ، قد حدد له عند كل مرحلة حدا ، وابتنى في كل مرحلة دارا ، وكانت المرحلة بريدا ، قدرها اثنا عشر ميلا ، ثم أمر بالمراحل ففرشت بالبسط الرهاوية [١] ، ونصب له جدارا بالستور ، وسمكها بأكسية الخز الرفيع الملون ، وقد ضرب عند كل فرسخ قبة مزوقة ، قد أقام فيها الفرش الممهدة ، وقد أحاط بها الظلال الممدودة بالرواقات الكثيفة ، فيها أنواع الطعام والشراب وألوان الفواكه . فلما تم صنعه ذلك ، وأبرم أمره ، قال : يا أمير المؤمنين ، قد تم ما أردته ، وكمل ما حاولته ، فانهض على اسم الله العظيم ، وكانت زبيدة زوجته التي أغرته عليه ، وحملته على اليمين لمعاقبته ، فخرج الرشيد ماشيا ، ومعه دابته وزبيدة ، فكانت المرحلة تفرش ، والستور تنصب ، والسمك ترفع ، فيمشي ثلاثة أميال ، ثم ينزل في قبة أمامها رواق ، فينال راحته ، ويصيب ما اشتهى من لذة في مأكل ومشرب ، ثم ينهض ثلاثة أخرى ، فينزل على مثل ذلك ، فإذا استكمل مشى أربعة فراسخ ، نزل في
[١] الرهاوية نسبة إلى الرها ، وهي مشهورة بها .