السيرة النبوية - ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده - ابن هشام الحميري - الصفحة ٧٦٥ - سبب تأخر عائشة عن الجيش
صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك ، وجه قافلا ، حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا . فبات به بعض الليل ، ثم أذن في الناس بالرحيل ، فارتحل الناس ، وخرجت لبعض حاجتي ، وفى عنقي عقد لي ، فيه جزع ظفار ، فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدرى ، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي ، فلم أجده ، وقد أخذ الناس في الرحيل ، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه ، فالتمسته حتى وجدته ، وجاء القوم خلافي ، الذين كانوا يرحلون لي البعير ، وقد فرغوا من رحلته ، فأخذوا الهودج ، وهم يظنون أنى فيه ، كما كنت أصنع ، فاحتملوه ، فشدوه على البعير ، ولم يشكوا أنى فيه ، ثم أخذوا برأس البعير ، فانطلقوا به ، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب ، قد انطلق الناس .
قالت : فتلففت بجلبابي ، ثم اضطجعت في مكاني ، وعرفت أن لو قد افتقدت لرجع إلى . قالت : فوالله إني لمضطجعة إذ مربى صفوان بن المعطل السلمي ، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته ، فلم يبت مع الناس ، فرأى سوادي ، فأقبل حتى وقف على ، وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب ، فلما رآني قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وأنا متلففة في ثيابي : قال : ما خلفك يرحمك الله ؟ قالت : فما كلمته ، ثم قرب البعير ، فقال : اركبي ، واستأخر عنى . قالت : فركبت ، وأخذ برأس البعير ، فانطلق سريعا ، يطلب الناس ، فوالله ما أدركنا الناس ، وما افتقدت حتى أصبحت ، ونزل الناس ، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودني ، فقال أهل الإفك ما قالوا ، فارتعج العسكر [١] ووالله ما أعلم بشئ من ذلك .
ثم قدمنا المدينة ، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة ، ولا يبلغني من ذلك شئ . وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى أبوى لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا ، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله صلى الله
[١] ارتعج العسكر : تحرك واضطرب .