السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٧٠ - ومن وصية له عليه السلام الى السبط الاكبر الامام الحسن المجتبى عليه السلام
وايضا فالعقل كالسراج، والشرع كالزيت الذي يمده، فما لم يكن زيت لم يشعل السراج، وما لم يكن سراج لم يضئ الزيت، ونبه الله تعالى على ذلك بقوله: (الله نور السموات والارض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شئ عليم) [٩].
وايضا فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما يتعاضدان، بل يتحدان، ولكون الشرع عقلا من خارج، سلب الله اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن نحو قوله تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يعقلون) [١٠] ولكون العقل شرعا من داخل قال تعالى في صفة العقل (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون) [١١] فسمى العقل دينا، ولكونهما متحدين قال: (نور على نور) اي نور العقل ونور الشرع، ثم قال: (يهدي الله لنوره من يشاء) فجعلهما نورا واحدا، فالعقل إذا فقد الشرع عجز عن اكثر الامور كما عجزت العين عند فقد النور.
واعلم ان العقل بنفسه قليل الغنى لا يكاد يتوصل الا الى معرفة كليات الشئ دون جزئياته، نحو ان يعلم جملة حسن اعتقاد الحق، وقول الصدق وتعاطي الجميل، وحسن استعمال المعدلة، وملازمة العفة ونحو ذلك، من غير ان يعرف ذلك في شئ شئ [١٢] والشرع يعرف كليات الشئ وجزئياته
[٩] الاية (٣٥) من سورة النور: ٢٤.
[١٠] الآية (١٧١) من سورة البقرة: ٢.
[١١] الاية (٣٠) من سورة الروم: ٣٠.
[١٢] هذا في قبال ما يجئ من عرفان الشرع الحسن والقبح في كل شئ شئ بكليته وجزئيته، لا انه انكار لعرفان العقل بعض الجزئيات، إذ هو خلاف الواقع وذيل عبارة القائل.