السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٦٩ - ومن وصية له عليه السلام الى السبط الاكبر الامام الحسن المجتبى عليه السلام
وما ذكرنا من معنى حكومة العقل أمر جلي لا يلتبس على احد، الا من اختلت مشاعره أو خلق من اول الامر مسلوب الشعور، أو كان ممن في قلبه مرض فينكر هذا الامر البديهي ليتوصل الى غرضه، ويزداد في مرضه.
ولا يخفى ان مقدمات حكم العقل قد تكون عقلية محضة على اختلاف انحائها من البديهية والنظرية، وقد يكون بعضها عقليا محضا، وبعضها مأخوذا ممن ثبت عند العقل صدقه وكون نظره صوابا ومطابقا للواقع.
وايضا العقل قد يخطأ في حكمه - وان كان هو حين الحكم لا يحتمل الخطأ بل قاطع بالصواب - كما قد يخطئ اللسان فيجري بقول: (لا) في مقام (نعم) وكذا العكس، وكما قد تخطئ اليد، فترمي ما يراد امساكه وتمسك ما يراد ارساله، الى غير ذلك.
وبالجملة قلة موارد حكم العقل أو خطأه احيانا غير موجب لانكار حكمه فضلا عن انكار اصل العقل.
وكيف يسوغ لعاقل متشرع ان ينكر العقل وحكمه، واني يمكن لمتدبر ان يجحد هذين الاساسين القويمين، والاصلين الوثيقين ؟ ! وليت يشعر الجاحد للعقل وحكمه ان انكاره هذا مرجعه الى انكار الضروريات، والاعتقاد بالسفسطيات، والسلام على الشرعيات، والختام على العقائد والديانات، مع وضوح كون العقل هو الاس، والشرع مبني عليه، ولم يثبت بناء ما لم يكن اس، كما انه لن يغني اس - غناء معتدا به - ما لم يكن بناء، ولنعم ما قال بعضهم: العقل كالبصر، والشرع كالشعاع، ولن ينفع البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولم يغن شعاع ما لم يكن بصر، ولذا قال تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه) [٨].
[٨] الآية (١٥، ١٦) من سورة المائدة: ٥.