إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت - السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف - الصفحة ٧٤٢ - ـ ضواحي سيئون
أوى العلّامة السّيّد عليّ بن محمّد الحبشيّ إلى فراشه .. ذكر ما النّاس فيه ، فخفّ بلباس النّوم إلى الأستاذ يستشيره في الاستسقاء ، فاهتمّ الأستاذ وبات يلحّ على ربّه في الدّعاء ، فما كاد يبرق الفجر .. إلّا وقد جاءت السّيول ، وامتلأت الحقول ، ثمّ تتابعت حتّى لم يكن انجلاؤها إلّا بعد التّضرّع والابتهال ، فجاء موضع قول البوصيريّ :
| ... فاع | جب لغيث إقلاعه استسقاء |
فكيف لا تفيض العبرات ، وتتصاعد الزّفرات ، لتلك الوجوه النّاضرة ، والأيّام الزّاهرة ، واللّيالي العاطرة.
| أعزّاي ما أبقوا لعيني قرّة | ولا زوّدوا إلّا الحنين المرجّعا [١] | |
| وكانوا على الأيّام ملهى ومطربا | فقد أصبحوا للقلب مبكى ومجزعا |
فما أطول الرّثا ، ولا سيّما إذ لم يبق إلّا الغثا ، فجاء موضع قول الشّريف الرّضيّ [في «ديوانه» ٢ / ٢٦٢ من السّريع] :
| كانوا صفاء الكأس ثمّ انجلوا | من البواقي عن قذى ثافل |
ومن أواخر رثائي لأولئك قولي [من الطّويل] :
| فكم في الحشا من موجعات لسادة | مناط الرّجا كانوا فغطّاهم الرّمل | |
| جبال منيفات من المجد أصبحت | كأن لم تكن لو لا الأحاديث ـ من قبل | |
| أمرّ لنا العيش الرّغيد فراقهم | وأثقلنا من بعد ما أوحشوا الحمل | |
| ولو لا اعتصام بالّذي لم يكن لنا | نعيش فواقا بعد ما انقطع الوصل | |
| ففي كلّ حين يأخذ البين غرّة | تذوب لها أكبادنا ثمّ لا نسلو | |
| فأين المصابيح الّتي كان للهدى | بها في البلاد الشّأن والشّرف الجزل | |
| وأين المراجيح المساميح والألى | بغرّاتهم يستدفع الشّرّ والأزل |
[١] البيتان من الطّويل ، وهما للشريف الرضي في «ديوانه» (١ / ٦٣٩).