إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت - السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف - الصفحة ٥٩٢ - ذي أصبح
وكان في الجود آية ، وفي الشّفقة بالأيامى واليتامى والضّعاف غاية ، وإن كان جاهه الضّخم في آخر أيّامه ليدرّ عليه بالأموال الطّائلة من شرق الأرض وغربها ، ثمّ لا يبيت عنده دينار ولا درهم ، ولقد أراد جماعة من محبّيه أن يشتروا له عقارا .. فغضب عليهم.
وورده مرّة ألف ريال [١] فلم يمس منه شيء.
| جود يحرّك منه كلّ عاطفة | ورحمة رفرفت منه على الأمم [٢] |
ولقد كاد مع وقار ركنه يطير طربا عندما تمثّل له جدّي في مناسبة بقول جوبة بن النّضر [من البسيط] :
| إنّا إذا اجتمعت يوما دراهمنا | ظلّت إلى طرق المعروف تستبق | |
| لا يعرف الدّرهم المضروب صرّتنا | لكن يمرّ عليها وهو منطلق |
لأنّ ذلك حاله رضوان الله عليه ، لا ينزل موضعا إلّا عمّه نورا ، وملأه سرورا.
| إن ضنّ غيث أو خبا قمر | فجبينه ويمينه البدل [٣] |
وله من التّحنّن على الفقراء ما من أمثلته : أنّ جدّي المحسن طلب يد بنته بهيّة ، فعمل لهم ضيافة حسب العادة ، وبينما هو في انتظارهم .. أطلّ من النّافذة ، فإذا الدّار محفوف بالنّظّارة من المساكين ، فأمر بإدخالهم وتقديم الطّعام لهم ، ثمّ لمّا أقبل جدّي بخيوله ومركبه وطبوله .. استأنف لهم الذّبائح والطّبخ. وله من هذا النّوع أمثال كثيرة ، يعظّم أهل الدّين ، ويكرم الفقراء والمساكين ، وإن كان الأغنياء والرّؤساء في مجلسه لأذلّ منهم في مجلس سفيان الثّوريّ ، وأخرج أبو نعيم [٦ / ٣٦٥] بسنده إلى عيسى بن يونس قال : (ما رأينا الأغنياء والسّلاطين في مجلس قطّ أحقر منهم في
[١] من الريالات الفرانصة (ماريا تريزا) المتداولة آنذاك.
[٢] البيت من البسيط ، وهو لأبي تمّام في «ديوانه» (٢ / ٩٧). باختلاف بسيط.
[٣] البيت من الكامل وهو للطّغرّائيّ في «ديوانه» ، وفيه لف ونشر مشوّش ، إذ ذكر في الشطر الأوّل الغيث والقمر ، ثمّ ذكر في الشّطر الثّاني الوجه واليمين ، ويناسب الغيث .. اليمين ، ويناسب القمر .. الوجه ، والله أعلم.