إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت - السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف - الصفحة ٥٨٣ - الحوطة (في وادي بن علي)
وأمّا القول بالمؤاخذة على الإطلاق .. فجرأة على نبيّ الله موسى ، وعثرة لا ينبغي أن يقال لصاحبها : لعا [١].
أقول قولي هذا ببادىء الرّأي مع وجوب إعادة النّظر واستئناف العناية ؛ لأنّ المسألة ـ كما قرّرنا ـ أصوليّة لا فروعيّة ، فلا ينبغي فيها الاختلاف ، والله أعلم.
ولا يزال في نفسي شيء من قول فقهائنا : إنّ شرع من قبلنا ليس لنا بشرع وما كفاهم ذلك حتّى زادوا في الطّنبور نغمة بقولهم : وإن ورد في شرعنا ما يقرّره ؛ لأنّه مع تقليله لكثير من فوائد قصص التّنزيل وأخباره .. لا يتّفق مع قول الله تعالى في (الأنعام) : (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ)
ومخالف لقول النّبيّ ٦ في كسر رباعية الرّبيّع بنت معوذ : «كتاب الله القصاص» [٢] ووجه المخالفة أنّه لم يرد القصاص بالسّنّ إلّا في الكلام عن غير هذه الأمّة ؛ حيث يقول جلّ وعزّ : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ)[٣].
وكان السّيّد أحمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر بن أحمد بن زين الحبشيّ [٤] أحد العلماء المحقّقين ، وكان على رأي ابن تيمية يجعل الثّلاث باللّفظ الواحد طلقة واحدة ، وكان له اتّصال وثيق بسيّدنا الحسن بن صالح البحر ، وقد أفتى مرّة بتوحيد الطّلاق ممّن نطق بالثّلاث في لفظ واحد ، فاشتدّ النّكير عليه ، حتّى انعقد لذلك مجلس بدار الحبيب البحر تقاطر له العلماء من دوعن ومن تريم وما بينهما ، ولم
[١] لعا : كلمة يدعى بها للعاثر ، معناها الارتفاع.
[٢] الحديث أخرجه البخاريّ (٤٣٣٥).
[٣] الجواب على هذا الإشكال ما قرره الحافظ تقي الدين السبكي في «الإبتهاج» بقوله : ليس الكلام فيما لم نعلمه إلا من كتبهم ونقل أحبارهم الكفار ؛ فإنه لا خلاف أن التكليف لا يقع به علينا ؛ ولا فيما علمنا بشرعنا أنه كان شرعا لهم ، وأمرنا في شرعنا بمثله ، كقوله : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ، وقد قال تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) فإن الإجماع منعقد على التكليف به ، وإنما الخلاف فيما ثبت أنه من شرعهم بطريق صحيح نقبله ولم نؤمر به في شريعتنا. اه من تقريرات الشربيني على شرح «الجمع» (٢ / ٣٥٢).
[٤] توفي ليلة الجمعة (٢٦) محرّم سنة (١٢٨٩ ه) ، «العدة المفيدة» (٢ / ٣٢٦).