إدام القوت في ذكر بلدان حضر الموت - السيّد عبد الرحمن بن عبيد الله السقّاف - الصفحة ٢٣٢ - الرّيدة
في السّفن الشّراعيّة من يضغط ، وهي البلاد الحرّة الّتي لمّا يطمثها الأجنبيّ [١] ، ولو لا حرّيّتها .. ما انفتحت للحضارمة طريق الهجرة لمّا اقشعرّت بهم البلاد من المجاعة الّتي ابتدأت في سنة (١٣٦٠ ه) ولا تزال ضاربة بجرانها [٢] إلى اليوم بسبب انقطاع المواصلات من جاوة الّتي هي المنيحة الدّارّة [٣] للحضارمة ومصدر السّعادة ، خصوصا لمن نزل عن شبام من أهل حضرموت [٤] ، أمّا ما وراء شبام [٥] .. فإنّهم لم يتأثّروا بالأزمة تأثّر هؤلاء ؛ لاتّصالهم بالحجاز والحبشة والأرتريا وعدن وغيرها ، من البلاد الّتي لم تنسدّ في أيّام الحرب.
ولو لا ما سمح به نوّاب سلطان سيحوت المهرة ـ جزاهم الله خيرا ـ من بذل الجواز لمنكوبي حضرموت إلى السّواحل الإفريقيّة .. لمات منهم بالجوع ضعف ما قد مات ، لكنّهم فعلوا معهم جميلا لا يضيع ، وطوّقوهم بمعروف لا ينساه إلّا أبناء الزّنا ، بينما ضرب عليهم الحصر من كلّ ناحية ، وسدّت في وجوههم الأبواب من كلّ سبيل [٦].
وسلاطين هذه البلاد على حالتهم البدويّة ، وطبيعتهم الفطريّة ، يمشون حفاة ، ولا شرطة ولا حجّاب ، ولا فرق بينهم وبين السّوقة إلّا بما على وجوههم من الشّهامة :
[١] لم يطمثها : لم يمسّها.
[٢] الجران : مقدّم العنق من مذبح البعير إلى منحره ، فإذا برك البعير ومدّ عنقه على الأرض .. قيل : ألقى جرانه بالأرض ، وهو كناية عن الأمن والاطمئنان. والمقصود هنا : أنّ هذه المجاعة ما زالت مستمرّة كالإنسان الّذي يجلس بين أهله هادىء البال لا يفكّر بالارتحال.
[٣] المنيحة : الشاة المعارة للإنسان كي يستفيد من لبنها. الدّارّة : كثيرة الدّرّ والحليب ، وكذلك كانت بلاد جاوة.
[٤] يعني بهم أهل حدرى في عرف أهل حضرموت ، وهم أهل القرى والبلدان الواقعة شرقيّ شبام.
[٥] وهم (أهل علوى) في عرف الحضارمة ، من يسكن الجهة الغربيّة من شبام ، والعقاد ، فالقطن وما حواليها.
[٦] جزى الله المصنّف خيرا بتدوينه هذه المعلومة التّاريخيّة الهامّة ، فإنّ الأجيال المتأخّرة تجهل أمثال هذا الصّنيع والجميل جهلا تامّا ، ولو لا التّدوين .. لما عرفت الحقائق.