إرشاد القلوب إلى الصواب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٢٣ - الباب السادس و الثلاثون في شكر الله تعالى
مِنْ فِضَّةٍ وَ جَعَلْتُ سُقُوفَهَا الزُّمُرُّدَ وَ طِينَهَا الْيَاقُوتَ وَ تُرَابَهَا الْمِسْكَ الْأَذْفَرَ وَ أَحْجَارَهَا الدُّرَّ وَ اللُّؤْلُؤَ وَ سُكَّانَهَا الْحُورَ الْعِينَ أَ تَدْرِي يَا دَاوُدُ لِمَنْ أَعْدَدْتُ هَذَا قَالَ لَا وَ عِزَّتِكَ يَا إِلَهِي فَقَالَ هَذَا أَعْدَدْتُهُ لِقَوْمٍ كَانُوا يَعُدُّونَ الْبَلَاءَ نِعْمَةً وَ الرَّخَاءَ مُصِيبَةً.
و لا شك أن البلاء من الأمراض و غيرها يوجب العوض على الألم و الثواب على الصبر عليه و يكفر السيئات و يذكر بالنعمة أيام الصحة و يحث على التوبة و الصدقة و هو اختيار الله تعالى للعبد و قد قال سبحانه وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ع قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ كِفَّتَيِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ لِيَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا خَطِيئَةَ لَهُ.
و النعم قد يكون استدراجا فإنها توجب الشكر و الشكر أيضا نعمة يوجب الاعتراف بالتقصير و لا شك أن زيادة النعم و كثرتها ملهية عن الله تعالى و لهذا اختار لأوليائه و عباده الصالحين الفقر و حبس الدنيا عنهم-
لِأَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ وَحْيِهِ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْ لَا حَيَائِي مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ مَا تَرَكْتُ لَهُ خِرْقَةً يُوَارِي بِهَا جَسَدَهُ وَ إِنِّي إِذَا أَكْمَلْتُ إِيمَانَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ ابْتَلَيْتُهُ بِفَقْرِ الدُّنْيَا فِي مَالِهِ أَوْ مَرَضٍ فِي بَدَنِهِ فَإِنْ هُوَ جَزِعَ أَضْعَفْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَاهَيْتُ بِهِ مَلَائِكَتِي وَ تَمَامُ الْحَدِيثِ وَ إِنِّي جَعَلْتُ عَلِيّاً ع عَلَماً لِلْإِيمَانِ فَمَنْ أَحَبَّهُ وَ اتَّبَعَهُ كَانَ هَادِياً وَ مَنْ تَرَكَهُ وَ أَبْغَضَهُ كَانَ ضَالًّا إِنَّهُ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُهُ إِلَّا مُنَافِقٌ.
و من الشكر للنعمة أن لا يتقوى به أحد على معصية الله و شكر العوام على المطعم و الملبس و شكر الخاص على ما يختاره سبحانه من بأساء و ضراء و غيره
وَ رُوِيَ أَنَّ الصَّادِقَ ع قَالَ لِشَفِيقٍ كَيْفَ أَنْتُمْ فِي بِلَادِكُمْ فَقَالَ بِخَيْرٍ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنْ أُعْطِينَا شَكَرْنَا وَ إِنْ مُنِعْنَا صَبَرْنَا فَقَالَ لَهُ هَكَذَا كِلَابُ حِجَازِنَا يَا شَفِيقُ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَقُولُ قَالَ لَهُ هَلَّا كُنْتُمْ إِذَا أُعْطِيتُمْ آثَرْتُمْ وَ إِذَا مُنِعْتُمْ شَكَرْتُمْ.
و هذه درجته و درجة آبائه و أبنائه ع
وَ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ رَفْعِ إِدْرِيسَ إِلَى السَّمَاءِ أَنَّ مَلَكاً بَشَّرَهُ بِالْقَبُولِ وَ الْمَغْفِرَةِ فَتَمَنَّى الْحَيَاةَ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ لِمَ تَمَنَّيْتَ الْحَيَاةَ قَالَ لِأَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَدْ كَانَتْ حَيَاتِي لِطَلَبِ الْقَبُولِ وَ هِيَ الْآنَ لِبُلُوغِ الْمَأْمُولِ قَالَ فَبَسَطَ الْمَلَكُ جَنَاحَهُ