عصر الإمام السجاد، سياسياً و إجتماعياً - اليوسفي الغروي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٠ - يزيد، وبنو زياد
مصير عبيد اللّه بن الحرّ
روى المدائني قال: لما قتل المختار قال الناس لمصعب: إنّ ابن الحرّ قد شاقّ ابن زياد ثمّ المختار، ولا نأمنه أن يثب بالسواد كما كان يفعل. فحبسه مصعب (بالكوفة، قبل أن يعود للبصرة).
وتوصّل ابن الحرّ إلى وجوه مذحج (وهومنهم) وقال لهم: سعى بي قوم كذبة وخوفوا مصعبا ممّا لم أكن أفعله! وما لم يكن من شأني! فحبسني على غير جرم، فاتوه وكلّموه في أمري. فوعدوه ذلك. فأرسل إلى فتيانهم قال: أرسلت قوما إلى مصعب يكلمونه في أمري، فالبسوا سلاحكم وليكن مستورا بثيابكم، واذهبوا معهم وقفوا ببابه، فإن خرج القوم وقد شفّعهم فلا تعرضوا لشيء، وإن خرجوا ولم يشفّعهم فكابروا السجّانين وأنا اعينكم من داخل! فجاء القوم من مذحج فدخلوا على مصعب فكلّموه فشفّعهم وأطلقه.
فلمّا أتاه الناس يهنئونه قال لهم: قد عهد إلينا رسول اللّه (ص): أن «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» وما رأينا بعد الأربعة الماضين[١] إماما صالحا ولا وزيرا تقيّا، كلّهم عاص مخالف، قويّ الدنيا ضعيف الدين، فعلام تستحلّ حرمتنا ونحن أصحاب النخيلة والقادسيّة وجلولاء ونهاوند! نلقى الأسنة بنحورنا والسيوف بجباهنا، ثمّ لا يعرف لنا حقّنا وفضلنا! فقاتلوا عن حريمكم، فأيّ الأمر ما كان فلكم فيه الفضل، وإنّي قد قلبت ظهر المجن! وأظهرت لهم العداوة فإنّ هذا الأمر لا يصلح إلا لمثل خلفائكم الماضين، وما نرى لهم فينا ندّا ولا شبيها فنلقي بأزمّتنا إليه ونمحضه نصيحتنا، فإن كان إنّما هو «من عزّ بزّ» فعلام نعقد لهم بيعة في أعناقنا وليسوا بأشجع منّا لقاء ولا أعظم منّا غناء .. ولا قوّة إلا باللّه!
[١] . هذه من بوادر ما مهّد فيما بعد لمصطلح: الخلفاء الراشدين، ولم يصطلح يومئذ بعد.