أصل الشيعة و اصولها - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٦ - مقدمة الكتاب و السبب الباعث لتأليفه
الكوفة أدركت في هذا الجامع يعني (مسجد الكوفة) أربعة آلاف شيخ من أهل الورع و الدين كل يقول: حدّثني جعفر بن محمد.
و لا نطيل بذكر الشواهد على هذا فنخرج عن الغرض مع أن الأمر أجلى من ضاحية الصيف و لا يرتاب متدبر أن اشتغال بني أمية و بني العباس في تقوية سلطانهم و محاربة أضدادهم و انهماكهم في نعيم الدنيا، و تجاهر هم بالملاهي و المطربات و انقطاع بني علي إلى العلم و العبادة و الورع و التجافي عن الدنيا و شهواتها، و عدم تدخلهم في شأن من شئون السياسة (و هل السياسة إلّا الكذب و المكر و الخداع)، كل ذلك هو الذي أوجب انتشار مذهب التشيع و إقبال الجم الغفير عليه (و من الواضح الضروري) أن الناس و إن تمكن حب الدنيا و الطموح إلى المال في نفوسهم و تملك على أهوائهم، و لكن مع ذلك فإن للعلم و الدين في نفوسهم المكان المكين و المنزلة السامية لا سيما و عهد النبوة قريب، و صدر الإسلام رحيب، لا يمنع عن طلب الدنيا من طرقها المشروعة، لا سيما و هم يجدون عيانا، أن دين الإسلام هو الذي درّ عليهم بضروع الخيرات، و صبّ عليهم شآبيب البركات، و أذلّ لهم ملك الأكاسرة و القياصرة، و وضع في أيديهم مفاتيح خزائن الشرق و الغرب، و بعض هذا فضلا عن كله لم تكن العرب لتحلم به في المنام، فضلا عن تأتي بتحقيقه الأيام، و كل هذا مما يبعث لهم أشد الرغبات في الدين و تعلم