تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٠٨
و قال ابو علي: همُّوا بأن يخرجوه من ارض العرب لا من مكة فقط، إذ قد أخرجوه من مكة، و قال المعتمر إبن أبي سليمان عن أبيه: الإرض الّتي أرادوا استزلاله منها: هي ارض المدينة، لان اليهود قالت له: هذه الإرض ليست ارض الأنبياء، و انما أرض الأنبياء الشام. و قال قتادة و مجاهد: هي مكة، لان قريشاً همّت بإخراجه منها. ثم قال تعالي: انهم لو أخرجوك من هذه الإرض لما لبثوا، لما أقاموا بعدك فيها إلا قليلا. و قال إبن عباس و الضحاك: المدة الّتي لبثوا بعده هو ما بين خروج النبي من مكة، و قتلهم يوم بدر. و من قرأ خلافك أراد بعدك، کما قال الشاعر:
عقب الرذاذ خلافها فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا[١]
الرذاذ المطر الخفيف، يصف روضة و أرضاً غبّ مطرها، و كانت خضراء و قال الحسن الاستفزاز- هاهنا- الفتل.
و قوله «وَ إِذاً لا يَلبَثُونَ» بالرفع، لان (إذاً) وقعت بعد الواو، فجاز فيها الإلغاء، لأنها متوسطة في الكلام، کما انه لا بد من ان تلغي في آخر الكلام.
و قوله «سُنَّةَ مَن قَد أَرسَلنا» انتصب (سنة) بمعني لا يلبثون. و تقديره: لا يلبثون لعذابنا إياهم كسنة من قبلك، إذ فعلت أممهم مثل ذلک. ثم قال «لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحوِيلًا» اي تغييراً و انتقالًا من حالة إلي حالة اخري. بل هي علي وتيرة واحدة. ثم امر نبيه صلّي اللّه عليه و سلّم فقال «أَقِمِ الصَّلاةَ» و المراد به أمّته معه «لِدُلُوكِ الشَّمسِ» اختلفوا في الدلوك، فقال إبن عباس، و إبن مسعود، و إبن زيد: هو الغروب و الصلاة المأمور بها- هاهنا- هي المغرب، و قال إبن عباس في رواية اخري و الحسن، و مجاهد، و قتادة:
دلوكها زوالها، و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (ع) .
و ذلک ان الناظر اليها يدلك عينيه، لشدة شعاعها. و اما عند غروبها فيدلك عينيه لقلة تبينها، و الصلاة المأمور بها عند هؤلاء الظهر، و قال الراجز:
[١] مجاز القرآن ١/ ٣٨٧ و تفسير الطبري ١٠/ ١٢٧، ١٥/ ٨٤ و اللسان و التاج (خلف) و تفسير الشوكاني ٣: ٢٣٩ و قد روي (عقب الربيع) و في راوية اخري (عفت الديار).