تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٥
يختلفوا في سكون الباء من و يلعب، و قرأَ نافع يرتع، و يلعب بالياء فيهما، و كسر العين. و قرأ أهل الكوفة بالياء فيهما، و جزم العين و الباء. قال ابو علي: قراءة إبن كثير حسنة، لأنه جعل الارتعاء القيام علي المال لمن بلغ و جاوز الصغر، و أسند اللعب الي يوسف لصغره، و لا لوم علي الصغير في اللعب، و لا ذم.
و الدليل علي صغر يوسف قول أخوته «وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ» و لو کان كبيراً ما احتاج الي حفظهم. و ايضاً قال يعقوب أخاف ان يأكله الذئب، و لو لم يكن صغيراً ما خاف عليه، و انما يخاف الذئب علي من لا دفاع فيه، و لا ممانعة له: من شيخ، فانٍ او صبي صغير قال الشاعر:
أصبحت لا أحمل السلاح و لا املك رأس البعير ان نفرا
و الذئب أخشاه ان مررت به وحدي و أخشي الرياح و المطرا[١]
فأما اللعب فمما لا ينبغي ان ينسب الي اهل النسك و الصلاح، ألا تري الي قوله: «أَ جِئتَنا بِالحَقِّ أَم أَنتَ مِنَ اللّاعِبِينَ»[٢] فقوبل اللعب بالحق فدل علي انه خلافه، و قال «وَ لَئِن سَأَلتَهُم لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَ نَلعَبُ»[٣] و قال «وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُم لَعِباً وَ لَهواً» فأما الارتعاء فهو افتعال من رعيت مثل سويت و استويت و کل واحد منهما متعد الي مفعول به، قال الشاعر:
ترتعي السفح فالكثيب فذا قا ر فروض القطا فذات الرّئال[٤]
و قال ابو عبيدة: و يجوز ان يقال نرتع و يراد ترتع إبلهم و وجه ذلک انه کان الأصل ترتع إبلنا ثم حذف المضاف و أسند الفعل الي المتكلمين، فصار نرتع و كذلك نرتعي علي ترتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون نرتعي. و قال أبو عبيدة: نرتع نلهو، و قد تكون هذه الكلمة علي غير معني النيل من الشيء كقولهم في المثل العبد و الرتعة، فكان علي هذا النيل و التناول مما يحتاج اليه الحيوان.
[١] قائله الربيع بن ضبيع الفزاري. سيبويه ١: ٤٦ و مجمع البيان ٣: ٢١٤.
[٢] سورة الأنبياء آية ٥٥،
[٣] سورة التوبة ٩ آية ٦٥
[٤] قائله الأعشي، ديوان: ١٦٣ و اللسان (سفح)، (رأَل).