تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١٣
آية بلا خلاف.
أخبر اللّه تعالي في هذه الآية بما يدل علي وحدانيته و كونه علي صفات لا يشاركه فيها احد من المخلوقين من كونه قادراً لنفسه، لأنه قال تعالي هو ألذي رفع السموات بغير عمد ترونها. و قيل فيه قولان:
الاول- قال إبن عباس و مجاهد: يعني ليس ترونها دعامة تدعمها، و لا فوقها علاقة تمسكها.
الثاني- قال قتادة و إياس بن معاوية: ان المعني إنه رفع السموات بلا عمد و نحن نراها.
و قال الجبائي: تأويل إبن عباس و مجاهد خطأ لأنه لو کان لها عمد، لكانت اجساماً غلاظاً و رؤيت، و كانت تحتاج الي عمد آخر إِلا هو تعالي.
و هذا هو الصحيح. و الوجه في قوله «بِغَيرِ عَمَدٍ» انه لو کان لها عمد لرئيت.
و مثله قول الشاعر:
علي لا حب لا يهتدي لمناره[١]
و المعني انه لا منار له، لأنه لو کان له منار لاهتدي به، و قد بينا نظائر ذلک فيما مضي[٢]. و (عمد) جمع عمود يقال: عمد، کما يقال: أديم و أدم. قال ابو عبيدة: و هذا الجمع قليل. و قد قرئ في الشواذ (عمد) بضم العين و الميم، و هو القياس. و العمود السارية، و مثله الدعائم و السند و أصله منع الميل، فمنه التعميد و الاعتماد، قال النابغة:
و خيس الجنّ اني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفائح و العمد[٣]
[١] مر هذا البيت في ١: ١٨٩، ٢٧٩، ٤٤٤، ٢: ٨٨، ٣٥٦، ٤٢٣، ٥٦٢، ٣: ٣٨٠.
[٢] راجع ما سبق ان أشرنا اليه في التعليقة قبل هذه رقم ١.
[٣] ديوانه (دار بيروت) ٣٣ و معني (خيس) ذلل، و (تدمر) بلد بالشام.