تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٨
آية بلا خلاف.
أخبر اللّه تعالي عن اخوة يوسف حين آيسوا من تسليم أخيهم اليهم، فاليأس ضد الطمع، يقال: يئس يأساً و استيأس استيئاساً، فهو يائس، و مستيئس، و آيس يأس مثله.
و قوله «خَلَصُوا نَجِيًّا» أي انفردوا من غير أن يکون معهم غيرهم ممن ليس منهم، و هذا من عجيب فصاحة القرآن الخارقة للعادة لأن بقوله «خلصوا» دل علي ما قلناه من معني الكلام الطويل.
و اصل الخلوص حصول الشيء من غير شائب فيه من غيره، كخلوص الذهب من الشئاب، و سمي الخلاص لذلك، و قوله «نجياً» مصدر يدل بلفظه علي القليل و الكثير، و الواحد و الجمع. و النجوي مثله، و لذلك قال تعالي في الواحد «وَ قَرَّبناهُ نَجِيًّا»[١] و في الجمع «خَلَصُوا نَجِيًّا» قال الشاعر:
إني إذا ما القوم كانوا أَنجيه و اضطرب القوم اضطراب الأرشية
هناك أوصيني و لا توصي بيه[٢]
و المناجاة رفع المعني من کل واحد الي صاحبه علي وجه خفي. و اصل النجو الارتفاع من الإرض و المناجاة المسارة و نجي جمعه أنجية، و هم يتناجون.
و «قالَ كَبِيرُهُم» يعني أكبرهم، و قال قتادة و إبن إسحاق: هوروبيل، فانه کان أكبرهم سناً. و قال مجاهد: هو شمعون، و کان أكبرهم عقلًا و علماً دون السن. و الأول أليق بالكلام و الظاهر: «أَ لَم تَعلَمُوا أَنَّ أَباكُم قَد أَخَذَ عَلَيكُم مَوثِقاً مِنَ اللّهِ» يعني أما علمتم أن أباكم قد حلفكم و أقسمتم له باللّه في حفظ أخيكم، و قبل هذا ما فرطتم في يوسف أي قصرتم في حفظه. و اصل التفريط التقديم من
قوله صلّي اللّه عليه و سلّم (انا فرطكم علي الحوض) أي متقدمكم.
و الموثق و الايثاق: العهد الوثيق و (ما) في قوله
[١] سورة مريم آية ٥٢
[٢] مر هذا الشعر في ١: ٢١٨ و هو في تفسير القرطبي ٩: ٢٤١