تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٥٦
استهزئ برسل من قبلك يا محمّد أرسلهم اللّه. و الاستهزاء طلب الهزء و هو اظهار خلاف الإضمار للاستضعاف فيما يجري من عبث الخطاب. و الرسل جمع رسول، و هو المحمّل للرسالة. و الرسالة كلام يؤخذ لتأديته الي صاحبه.
و قوله «فَأَملَيتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا» اي أخرت عقابهم و إهلاكهم و أمهلتهم، يقال: أملي يملي إملاء و منه قوله «إِنَّما نُملِي لَهُم لِيَزدادُوا إِثماً»[١] و أصله طول المدة، و منه قليل لليل و النهار: الملوان لطولهما، قال إبن مقبل:
الا يا ديار الحي بالسَّبُعان أملُّ عليها بالبلي الملوان[٢]
و قوله «ثم اخذتهم» يعني الّذين استهزؤا برسل اللّه و كفروا بآيات اللّه، أهلكتهم و أنزلت عليهم عذابي «فَكَيفَ كانَ عِقابِ» و هو العذاب علي وجه الجزاء.
و معني الآية تسلية النبي صلّي اللّه عليه و سلّم عما يلقاه من سفهاء قومه من الكفر و الاستهزاء عند دعائه إياهم إلي توحيده و الايمان به، بأنه قد نال مثل هذا الأنبياء قبلك فصبروا، فاصبر أنت ايضاً مثل ذلک، کما قال «فَاصبِر كَما صَبَرَ أُولُوا العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ»[٣]
قوله تعالي: [سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]
أَ فَمَن هُوَ قائِمٌ عَلي كُلِّ نَفسٍ بِما كَسَبَت وَ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُل سَمُّوهُم أَم تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعلَمُ فِي الأَرضِ أَم بِظاهِرٍ مِنَ القَولِ بَل زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكرُهُم وَ صُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَ مَن يُضلِلِ اللّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ (٣٣)
[١] سورة آل عمران آية ١٧٨
[٢] الكتاب لسيبويه ٢: ٣١٥ و تفسير الطبري ١٤: ١٣٢ و سمط اللآلي ٥٣٣ و اللسان (سبع) و مجاز القرآن ١: ١٠٩، ٣٣٣. و قد روي (ألح) بدل (امل).
[٣] سورة ٤٦ الأحقاف آية ٣٥