تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٨٤
آيتان بلا خلاف.
قوله «يتجرعه» معناه يشرب ذلک الصديد جرعة جرعة، يقال: تجرّع تجرعاً، و جرعه يجرعه جرعاً، و التجرع تناول المشروب جرعة جرعة علي الاستمرار.
و قوله «وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ» أي لا يقاربه، و انما يضطر اليه. قال الفراء:
(لا يكاد) يستعمل فيما يقع و فيما لا يقع، فما يقع هو هذا، و ما لم يقع مثل قوله «لَم يَكَد يَراها»[١] لان المعني لم يرها. و الإساغة إجراء الشراب في الحلق علي تقبل النفس، و هذا يضطر اليه، فلذلك قال «وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ» و المعني فلا يقارب ان يشربه تكرهاً، و هو يشربه، تقول: ساغ يسوغ الشيء و أسغته أنا. و
روي عن النبي صلّي اللّه عليه و سلّم انه قال: (ما يتجرّعه يقرّب اليه فيتكرّهه، فإذا أدني منه شوي وجهه و وقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتي يخرج من دبره)
کما قال «وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمعاءَهُم»[٢] و قال «وَ إِن يَستَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرابُ»[٣].
و قوله «وَ يَأتِيهِ المَوتُ مِن كُلِّ مَكانٍ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- قال إبن عباس و الجبائي: من کل جهة، من عن يمينه و شماله و من فوقه و تحته و من قدامه و خلفه. و قال ابراهيم التيمي و إبن جريج: معناه «مِن كُلِّ مَكانٍ» من جسده حتي من أطراف شعره «وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ» اي انه مع
[١] سورة النور آية ٤٠
[٢] سورة محمّد: ٤٧ آية ١٥
[٣] سورة الكهف: ١٨ آية ٢٩