تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٣٢
قدروا عليه «أَو لا تُؤمِنُوا» و تجحدوه، فإن إيمانكم لن يزيد في خزائن اللّه شيئاً، و لا ترككم الايمان به ينقص ذلک، و إن تكفروا به، فإن الّذين أوتوا العلم باللّه و آياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتاب، و هم الّذين أسلموا «إِذا يُتلي عَلَيهِم» من القرآن «يخرون» تعظيماً له و تكريماً، لعلمهم بأنه من عند اللّه، لاذقانهم سجداً بالأرض و اختلفوا في المعني بقوله «يَخِرُّونَ لِلأَذقانِ» فقال بعضهم: أراد به الوجوه روي ذلک عن إبن عباس و قتادة. و قال قوم يعني بذلك اللحي، حكي ذلک عن الحسن. و قوله «وَ يَقُولُونَ سُبحانَ رَبِّنا إِن كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعُولًا» حكاية من اللّه عن هؤلاء الّذين أوتوا العلم من قبل نزول هذا القرآن خروا للأذقان سجوداً عند استماعهم القرآن يتلي عليهم تنزيها للّه تعالي و تبرئة له مما يضيف اليه المشركون، و يقولون لم يكن وعد ربنا من ثواب و عقاب إلا مفعولا حقَّاً يقيناً إيماناً بالقرآن و تصديقاً له. و الأذقان جمع ذقن، و هو مجمع اللحيين. و قال مجاهد و إبن زيد:
«الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ مِن قَبلِهِ» إلي قوله «خشوعاً» ناس من أهل الكتاب حيث سمعوا ما أنزل اللّه علي محمّد «يَقُولُونَ سُبحانَ رَبِّنا إِن كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعُولًا» و قال إبن جريج: إذا يتلي عليهم كتابهم. و قال قوم «الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ» يعني به محمداً صلّي اللّه عليه و سلّم و المؤمنين. و يراد بقوله «إِذا يُتلي عَلَيهِم» يعني القرآن، لأنه من سياق ذكر القرآن، و لم يكن يجري لغيره من الكتب ذكر، و هو الأقوي، لأن الآية فيها مدح لمن وصف بما فيها، و ذلک لا يليق بالكفار إلا أن يراد بذلك من آمن منهم و کان عالماً قبل ذلک بصحة القرآن إذ علموا بما أنزل اللّه علي محمّد صلّي اللّه عليه و سلّم من التوراة و الإنجيل و يحتمل ذلک اذاً علي ما بيناه.
و قوله «وَ يَخِرُّونَ لِلأَذقانِ يَبكُونَ وَ يَزِيدُهُم خُشُوعاً» يقول اللّه يخرّ هؤلاء الّذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان إذا يتلي عليهم القرآن «لاذقانهم يبكون و يزيدهم» ما في القرآن من المواعظ و العبر «خشوعا» يعني خضوعاً لأمر اللّه و طاعته و استكانة له.