تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٠٤
سقوف البيوت «ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا» معناه انه تعالي ألهمها ايضاً أن تأكل من الثمرات و سائر الأشجار الّتي تحويها، و الذلل جمع ذلول، و هي الطرق الموطأة للسلوك. و قيل: طرق لا يتوعّر عليها سلوكها عن مجاهد. و قال قتادة: معني «ذللا» اي مطيعة، و يکون من صفة النحل.
و قال غيره: هو من صفات الطريق و معني «ذللا» إنه قد ذللها لك و سهل عليك سلوكها و في ذلک أعظم العبر و اظهر الدلالة علي توحيده تعالي و أنه لا يقدر عليه سواه.
ثم قال «يَخرُجُ مِن بُطُونِها» يعني بطون النحل «شَرابٌ مُختَلِفٌ أَلوانُهُ» من أصفر و أبيض و أحمر، مع أنها تأكل الحامض و المر فيحيله اللّه عسلًا حلواً لذيذاً «فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ» لما شفائها فيه، و اكثر المفسرين علي ان (الهاء) راجعة إلي العسل، و هو الشراب ألذي ذكره، و أن فيه شفاء من كثير من الأمراض، و فيه منافع جمة. و قال مجاهد (الهاء) راجعة إلي القرآن «فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ»، لما فيه من بيان الحلال، و الحرام، و الفتيا، و الأحكام، و الأول أوثق.
ثم اخبر تعالي ان فيما ذكره آيات واضحات، و دلالات بينات، لمن يتفكر فيه و يهتدي بهديه، و انما قال «من بطونها» و هو خارج من فيها، لان العسل يخلقه اللّه في بطون النحل و يخرجه إلي فيه. ثم يخرجه من فيه، و لو قال: من فيها لظن أنها تلقيه من فيها، و ليس بخارج من البطن.
قوله تعالي: [سورة النحل (١٦): آية ٧٠]
وَ اللّهُ خَلَقَكُم ثُمَّ يَتَوَفّاكُم وَ مِنكُم مَن يُرَدُّ إِلي أَرذَلِ العُمُرِ لِكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)
آية بلا خلاف.
هذه الآية فيها تعديد لنعم اللّه تعالي علي عباده، شيئاً بعد شيء، ليشكروه عليها، و بحسبها يقول اللّه: إني أنا ألذي خلقتكم و أخرجتكم من العدم إلي الوجود