تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣١٤
و قال قطرب، و السكري: ربّما، و ربّما، و ربتما، و ربُّ، ربَّ: ست لغات.
قال سيبويه (رب) حرف و تلحقها (ما) علي وجهين:
أحدهما- ان تكون نكرة بمعني شيء كقوله:
ربما تجزع النفوس من الأم - ر له فرجة كحلّ العقال[١]
ف (ما) في هذا البيت اسم، لما يقدر من عود الذكر اليه من الصفة. و المعني:
رب شيء تكرهه النفوس، و إذا عاد اليه الهاء کان اسماً، و لم يجز أن يکون حرفاً. و الضرب الآخر ان تدخل (ما) كافة نحو الآية، و نحو قول الشاعر:
ربما أوفيت في علم يرفعن ثوبي شمالات[٢]
و النحويون يسمون (ما) هذه كافة يريدون: أنها بدخولها كفت الحرف عن العمل ألذي کان هيأها لدخولها علي ما لم تكن تدخل عليه، ألا تري ان (رب) انما تدخل علي الاسم المفرد، نحو رب رجل يقول ذلک، و ربه رجل يقول، و لا تدخل علي الفعل، فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول علي الفعل، کما قال «رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا» فوقع الفعل بعدها- في الآية- و هو علي لفظ المضارع، و وقع في قوله (ربما أوفيت في علم) علي لفظ الماضي، و هكذا ينبغي في القياس لأنها تدل علي أمر قد وقع و مضي، و إنما وقع- في الآية- علي لفظ المضارع، لأنه حكاية لحال آتية کما ان قوله «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَحكُمُ بَينَهُم»[٣] حكاية لحال آتية ايضاً، و من حكاية الحال قول القائل:
جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالايماض[٤]
و من زعم ان الآية علي إضمار (کان) و تقديره ربما کان يود، فقد خرج عن قول سيبويه، لأنهم لا يضمرون علي مذهبه (کان) في قول القائل: عبد اللّه المقتول اي كن عبد اللّه المقتول. و اما إضمار (کان) بعد إن خيراً فخيراً، فإنما جاز ذلک،
[١] قائله أمية بن أبي الصلت. اللسان «فرج» و روايته «تكره» بدل «تجزع».
[٢] قائلة جذيمة الأبرش. اللسان «شمل». و شمالات: جمع شمال، و يقصد هنا ريح الشمال
[٣] سورة النحل ١٦ آية ١٢٤
[٤] اللسان «رمض» «خصص» و مجمع البيان ٣: ٣٢٧