تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١٧
قال ابو علي النحوي: من قرأ «و زرع» مرفوعاً جعله محمولًا علي قوله «في الإرض» و يکون تقديره و في الإرض قطع متجاورات و جنات من أعناب و في الإرض زرع و نخيل صنوان، فالجنة علي هذا تقع علي الإرض الّتي فيها النخيل دون غيرها. و يقوي ذلک قول زهير:
كأن عينيّ غربي مقتّلة من النواضح تسقي جنة سحقا[١]
السحق جمع سحوق يوصف بها النخيل إذا بسقت فكأنه سمي الإرض ذات النخل جنة، و لم يذكر ان فيها غيرها، فكما ان الجنة تكون من النخيل من غير ان يکون منها شيء آخر، كذلك تكون من الكروم، و ان لم يكن فيها غيرها.
فاما من قرأ بالخفض فانه حمل الزرع و النخيل علي الأعناب، كأنه قال جنات من أعناب و من زرع، و من نخيل. و قد تسمي الإرض إِذا کان فيها النخل و الكرم و الزرع جنة، قال اللّه تعالي «جَعَلنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَينِ مِن أَعنابٍ وَ حَفَفناهُما بِنَخلٍ وَ جَعَلنا بَينَهُما زَرعاً»[٢] و يقوي ذلک قول الشاعر:
أقبل سيل جاء من أمر اللّه يجرد جرد الجنة المغلة[٣]
فقوله (المغلة) في وصف الجنة يدل علي ان الجنة يکون فيها الزرع، لان الغلة لا يقال إِلا فيما يكال و يوزن، فلذلك قال الفقهاء: إذا قال: أوصيت له بغلة هذه القرية انه يکون علي ما فيها، من الحال من الثمرة و غيرها وقت التلفظ بالوصية دون ما يحدث بعد.
و (الصنوان) فيما ذهب اليه ابو عبيدة صفة النخل قال: و المعني ان يکون الأصل واحداً ثم يتشعب من الرؤوس فيصير نخلًا و يحملن. و قال و قوله
[١] ديوانه: ١٤٠ (دار بيروت).
[٢] سورة الكهف آية ٣٢
[٣] مجمع البيان ٣: ٢٧٥