مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٦٢ - مطلع ٢
منه الأنوار؛ و هو النّور الّذي خلق منه محمّدا و عليّا. فلم يزالا نورين أوّلين، إذ لا شيء كوّن قبلهما. فلم يزالا يجريان طاهرين مطهّرين في الأصلاب الطاهرة حتّى افترقا في أطهر طاهرين في عبد اللّه و أبي طالب. [١١٧] صدق وليّ اللّه، صلوات اللّه عليه. و لسنا بصدد شرح الحديث الشريف؛ فإنّ شرحه مع عدم كونه في عهدة مثلى طويل الذيل؛ و لكن نشير إلى بعض إشاراته الّتي تشير إلى مقصودنا.
فنقول، و باللّه التوفيق: لعلّ قوله (ع): كان إذ لا كان. إشارة إلى تقدّمه، تعالى شأنه، بالحقيقة على الموجودات، و الآن كما كان؛ كما قال جنيد البغدادي [١١٨] حين سمع كان اللّه و لم يكن معه شيء: الآن كما كان. [١١٩] و في توحيد صدوق الطائفة:
إنّ اللّه، تبارك و تعالى، كان لم يزل بلا زمان و لا مكان؛ و هو الآن كما كان. [١٢٠] و قوله: فخلق الكان و المكان إلى قوله: منه الأنوار إشارة إلى ترتيب أمّهات مراتب الوجود من النازل إلى الصاعد. فإنّ «الكان» و «المكان» هو الكائنات و المكانيّات الطبيعيّة و الأجرام السماويّة و الأرضيّة. أو مطلق ما ظهر في عالم الطبيعة و كان طالعا عن بحر الهيولى المظلمة حتى يشمل النفس الّتي هي بذاتها من عالم الأنوار و لكنّها طالعة عن مطلع المادّة ظاهرة في الكائنات النازلة. و «الأنوار» هي العالم التعقّلي بقضّها و قضيضها؛ أو هو مع العالم النفسي باعتبار أصل حقيقتها الّتي هي الأنوار. و «نور الأنوار» هو الفيض المنبسط و الوجود المطلق الّذي منه الحقائق العقليّة و غيرها و العوالم الصاعدة و النازلة. و تخصيص خلق «الأنوار» منه بالذكر، مع أنّ جميع مراتب الوجود منه، للتناسب الواقع بينهما؛ أو لكون العقل أوّل ظهور المشيئة المطلقة؛ أو لأنّ صدور الكائنات لا يحتاج إلى الذكر بعد ذكر صدور الأنوار منه؛ فإنّ صدور الأنوار إذ كان من شيء، كان صدور الأكوان منه أيضا بحسب ترتيب سلسلة الوجود و قوسي النزول و الصعود.
و الضمير المجرور في قوله: و أجرى فيه إمّا راجع إلى الكان و المكان، و فيه إشارة لطيفة إلى ظهور نوره في السموات و الأرض؛ كما قال تعالى:
[١١٧] «الأصول» من الكافي، ج ١، ص ٤٤١، «كتاب الحجة»، «باب مولد النبي»، الحديث (٩).
[١١٨] الجنيد البغدادي (- ٢٩٨ أو ٢٩٩ ه.) أصله من نهاوند. من شيوخ العرفاء الكبار. اعتقد بعض انه من الشيعة و ادعى آخرون انه على طريقة سفيان الثوري كان.
[١١٩] نسبه الى الجنيد الشارح القمشهاى في شرحه على رسائل القيصري. رسائل القيصري، «رسالة التوحيد»، ص ١٣؛ مصباح الانس لابن فنارى، ص ٢٦ و ٧٩؛ شرح القيصري على الفصوص، ص ٢٢١؛ الفتوحات المكية، ج ١، ص ٢٩٢.
[١٢٠] التوحيد، ص ١٧٩، الباب الثامن و العشرون، الحديث ١٢.