مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٦ - مصباح ٤٤
فهي كلّ الأشياء بوجه بسيط إجماليّ، منزّه عن قاطبة الكثرات الخارجيّة و الخياليّة و الوهميّة و العقليّة؛ فهي كلّ الأشياء و ليس بشيء منها. و هذه قاعدة ثابتة في مسفورات أصحاب الحكمة المتعالية؛ مبرهنة في الفلسفة الإلهيّة؛ مكشوفة ذوقا عند أصحاب القلوب و أرباب المعرفة؛ مسدّدة بالآيات القرآنيّة؛ مؤيّدة بالأحاديث المرويّة.
فالعرفاء الكمّل لمّا شهدوا ذلك ذوقا و وجدوا شهودا، وضعوا لما شهدوا اصطلاحات و صنعوا لما وجدوا عبارات، لجلب قلوب المتعلّمين إلى عالم الذكر الحكيم، و تنبيه الغافلين و تيقيظ الراقدين، لكمال رأفتهم بهم و رحمتهم عليهم؛ و إلّا فالمشاهدات العرفانيّة و الذوقيّات الوجدانيّة غير ممكن الإظهار بالحقيقة؛ و الاصطلاحات و الألفاظ و العبارات للمتعلّمين طريق الصواب، و للكاملين حجاب في حجاب.
و أوصيك، أيّها الأخ الأعزّ، أن لا تسوء الظنّ بهؤلاء العرفاء و الحكماء الّذين كثير منهم من خلّص شيعة عليّ بن أبى طالب و أولاده المعصومين، عليهم السلام، و سلّاك طريقتهم و المتمسّكين بولايتهم. و إيّاك أن تقول عليهم قولا منكرا، أو تسمع إلى ما قيل في حقّهم، فتقع فيما تقع.
و لا يمكن الاطّلاع على حقيقة مقاصدهم بمجرّد مطالعة كتبهم من غير الرجوع إلى أهل اصطلاحهم؛ فإنّ لكلّ قوم لسانا و لكلّ طريقة تبيانا. و لو لا مخافة التطويل و الخروج عن المنظور الأصيل، لذكرت من أقوالهم ما يحصل لك اليقين على ما ادّعيناه و الاطمينان بما تلوناه؛ لكنّ الإطالة خروج عن طور الرسالة. فلنعد إلى المقصود الّذي كنّا فيه.
مصباح ٤٤
هذه الخلافة التي سمعت مقامها و قدرها و منزلها، هي حقيقة «الولاية». فإنّ الولاية هي القرب، أو المحبوبيّة، أو التصرّف، أو الربوبيّة، أو النيابة. و كلّها حقّ هذه الحقيقة، و سائر المراتب ظلّ و فيء لها، و هي ربّ الولاية العلويّة (ع) الّتي هي متّحدة مع حقيقة الخلافة المحمّديّة (ص) في النشأة الأمر و الخلق؛ كما سيأتي بيانها، إن شاء اللّه.