مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٥١ - نور ١٢
نور ١١
و لنرجع إلى المقصود الأصلي؛ فإنّ الرسالة غير موضوعة لتحقيق هذه المباحث و التطويل في تلك المعارج. فليعذرني إخواني عمّا خرج عنان القلم عن الاختيار.
فنقول: لك أن ترتقي إلى أوج الحقيقة لفهم أسرار أهل المعرفة؛ فاسمع لما نتلو عليك، و اعلم أنّ هذه الخلافة أيضا خلافة في الظهور. فإنّ الأوّل، جلّ مجده، لمّا أراد أن يظهر في الأكوان، لرؤية نفسه و كمالات ذاته في مرآة كاملة جامعة، تجلّى باسمه الأعظم الأتمّ الّذي له مقام أحديّة الجمع. فأشرقت من ذلك التجلّي سماوات الأرواح و أراضي الأشباح. فكلّ المراتب الوجودية و الحقائق النزوليّة و الصعوديّة من تعيّن تجلّيه الذاتي الحاصل بالاسم الأعظم. فمقام الخلافة مقام استجماع كلّ الحقائق الإلهيّة و الأسماء المكنونة المخزونة. فحيث لا حجاب في الوجود من ناحية الربّ الودود، فإنّ الحجاب من التعيّنات و الحدود، و إذ لا تعيّن من ناحية عالم القدس، فلا حجاب، فكان ذاته بذاته ظهرت في الأشياء، و على حدّ إطلاقه أشرقت الأرض و السماء: «وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها.» [٨٤] الّذي هو الحقيقة الإطلاقيّة الجامعة لكلّ الحقائق و التعيّنات المشهودة و المعلومة في العالمين، من ناحية عالم الكثرة و الجنبة الخلقيّة: «وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ.» [٨٥] فمن عرف حقيقة استهلاك الوجود المنبسط و الإحاطة القيّوميّة للذات الواجبة و عدم النسبة، أيّة نسبة، بينها و بين الخلق و تنزّهها عن كلّ التعيّنات، يمكن له معرفة هذا الظهور الذاتي و التجلّي الأسمائي و الصفاتي. فمع كون التجلّي بالأسماء و في هياكل الممكنات، كان التجلّي ذاتيا؛ بلا ملابسة بأقذار التعيّنات الخلقيّة و مناسبة لسكّان عالم من العوالم. فاعرف و لا تختلط.
نور ١٢
كما أنّ عالم الأعيان الثابتة أيضا غير مانع عن كون الظهور ذاتيا- و إن كان الترتيب يقتضي أن يكون الأعيان ظاهرة، إلا أنّك قد عرفت أنّ الأعيان الثابتة لا وجود لها في الحضرة العلميّة و لا كون لها إلا كون الثبوت- فحقائقها أيضا غير حاجبة
[٨٤] (الزمر/ ٦٩)
[٨٥] (النساء/ ٧٩)