مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٦٩ - مطلع ٨
الرياضات و التوسّل إلى مبدأ الحاجات و التضرع الجبلّي إلى قاضي السؤالات. حتى أنّ في مسألة واحدة منها راجعت أربعين دفعة! فما فهمت منها شيئا؛ حتى آيست من حلّ ذلك العلم؛ إلى أن انكشف لي بالرجوع إلى مبدأ الكلّ و التدلّي إلى بارئ القلّ و الجلّ. [١٥٠] مع أنّ خطاياه في ذلك العلم الأعلى أكثر كثير؛ كما يظهر بالمراجعة إلى كتبه.
فإذا كان هذا حال الشيخ الرئيس، النابغة الكبرى و الأعجوبة العظمى، الّذي لم يكن له في حدّة الذهن و جودة القريحة كفوا أحد، فكيف بغيره من متعارف الناس! و هذه نصيحة منّي على إخواني المؤمنين لئلّا يهلكوا من حيث لا يعلمون.
مطلع ٨
إحاطة العقل المجرّد على ما دونه، من الملك و الملكوت، ليست كإحاطة شيء محسوس بشيء محسوس؛ حيث يكون الإحاطة فيه ببعض الجوانب و النهايات، و لا يحيط بعضها ببعض إلّا ببعض السطوح الخارجة عن الذات؛ بل إحاطته من جميع الجوانب؛ يحيط بباطن المحاط كما يحيط بظاهره. فإنّ إحاطته يكون بنحو السريان و النفوذ. فهو سار في حقائق العوالم و ذواتها و لبّ الحقائق و إنّيّاتها؛ لا يشذّ عن إحاطته الوجوديّة و سريانه المعنوي ذرّة في السماء و الأرض من جواهرها و عوارضها الذاتيّة و المفارقة. و هو أقرب إليها من حبل الوريد [١٥١] و أنفذ فيها من الأرواح في الأبدان. بل حضور العوالم عنده أشدّ و أعلى من حضورها عند أنفسها. كلّ ذلك، لأنّ المادّة الّتي هي مناط الغيريّة و التباعد عنه مفقودة؛ و الماهيّة التي هي أصل السوائيّة فيه مستهلكة مضمحلّه، لا حكم لها أصلا؛ بل الحكم للوجود، بل للوجود المطلق. و هو القاهر عليها و الحاكم على كل إنّيّة و حقيقة.
و إشارة إلى هذه الإحاطة الوجوديّة و السريان الذاتي قال معلّم المشّاءين: إنّ الحقائق البسيطة تقتضي بذاتها لاستدارة حقيقية تامّة، إلا أنّ المحيط فيها لا يحوي المركز؛ كما الأمر في الدوائر الحسّيّة كذلك. بل الأمر في الدوائر العقليّة بعكس الدوائر الحسّيّة. و نحن قد أشرنا إلى لمعة من التحقيق لهذا السرّ في «المشكاة الأولى»؛ فراجع.
[١٥٠] عن رواية عبد الواحد الجوز جانى، تلميذ ابن سينا، لسيرة استاذه. سرگذشت ابن سينا لسعيد النفيسى، ص ٣.
[١٥١] مقتبس من الآية ١٦ من سورة «ق».