مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٢ - مصباح ٣٧
و «البداء» بحسب النشأة العينيّة و إن كانت في الملكوت- كما هو المحقّق لدى الحكماء المحقّقين- إلّا أنّ منشأه هي الحضرة العلميّة. فما وقع من بعض المحقّقين، من شرّاح الكافي، [٤٤] من أن البداء ليس منشؤه من عنده، بل و لا من عند الخلق الأوّل؛ بل إنّما ينشأ في الخلق الثاني، بزعم لزوم الجهل على العالم على الإطلاق، من ضيق الخناق. نعم، لا مضايقة لكون ظهور البداء بالمعنى الّذي ذكروا في الخلق الثاني؛ و لكنّ المنشأ الذي منه نشأ البداء هو ما عرفت.
مصباح ٣٧
و من تلك العلوم الّتي تنكشف على قلبك بالاطّلاع على المصابيح الماضية يظهر سرّ من أسرار «القدر». فإنّ القوم قد يقولون فيه أقوالا لا ترضى، و يذهب كلّ من مذهب لا يرتضى. و قد ورد عن أهل بيت العصمة خلاف ما توهّموا، و نقضت أحاديث المعصومين، عليهم السلام، ما غزلوا. كما في كتاب التوحيد [١] لشيخنا، صدوق الطائفة، [٤٥] رضوان اللّه عليه، عن الأصبغ [بن] نباتة، قال قال أمير المؤمنين، عليه السلام، في القدر:
ألا، إنّ القدر سرّ من سرّ اللّه و ستر من ستر اللّه؛ و حرز من حرز اللّه؛ مرفوع في حجاب اللّه؛ مطوىّ عن خلق اللّه؛ مختوم بخاتم اللّه؛ سابق في علم اللّه؛ وضع اللّه العباد عن علمه، و رفعه فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم؛ لأنّهم لا ينالونه بحقيقة الربّانيّة، و لا بقدرة الصمدانيّة؛ و لا بعظمة النورانيّة، و لا بعزّة الوحدانيّة؛ لأنّه بحر زاخر خالص للَّه تعالى؛ عمقه ما بين السّماء و الأرض؛ عرضه ما بين المشرق و المغرب؛ أسود كالّليل الدّامس؛ كثير الحيّات و الحيتان؛ يعلو مرّة و يسفل أخرى؛ في قعره شمس تضيء؛ لا ينبغي أن يطّلع إليها إلّا اللّه الواحد الفرد؛ فمن تطلّع إليها، فقد ضادّ اللّه، عزّ و جلّ، في حكمه، و نازعه في سلطانه، و كشف عن ستره و سرّه، و باء بغضب من اللّه، و مأواه جهنّم و بئس المصير. [٤٦] صدق ولي اللّه. و لعمر الحبيب، إنّ في هذا الحديث الّذي صدر من
[١] و في ذلك الكتاب الشريف أيضا عن علىّ بن موسى الرضا، عليه السلام، قال قال رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله:
إنّ اللّه، عزّ و جلّ، قدّر المقادير و دبّر التّدبير قبل آدم [خ: العالم] بألفي عام. هذا؛ و ليست هذه الرسالة موضوعة لتحقيق ذلك؛ و لعلّ التوفيق يساعد لتفريد رسالة فيه، إن شاء اللّه.
______________________________
[٤٤] هو الفيض الكاشاني في كتابه الوافي، ذيل حديث ابى عبد اللّه (ع): «بد اللّه في شيء ...» ج ١، ص ١١٣.
[٤٥] التعليقة ٢٣.
[٤٦] التوحيد، ص ٣٧٦، «باب القضاء و القدر»، الحديث ٢٢. و ايضا ٣٢