مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٧ - مصباح ٢٨
فيا عجبا من خفّاش يريد أن يمدح شمس الشموس الطالعة! و حرباء يصف البيضاء القاهرة الساطعة! فما أعجز القلم و البيان و أكلّ القلب و اللسان! «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي.» [٣٢] فكيف بمبدإ الكلمات و مصدر الآيات! فإنّ أبحر الوجود و أقلام عالم الغيب و الشهود تعجز عن وصف تجلّ من تجلّياته. بهر برهانه و عظم سلطانه.
مصباح ٢٧
هذه الخلافة هي روح الخلافة المحمّديّة (ص)، و ربّها و أصلها و مبدؤها؛ منها بدأ أصل الخلافة في العوالم كلّها؛ بل أصل الخلافة و الخليفة و المستخلف إليه. و هذه ظهرت، تمام الظهور، في حضرة اسم «اللّه» الأعظم، ربّ الحقيقة المطلقة المحمّديّة (ص)، أصل الحقائق الكليّة الإلهيّة. فهي أصل الخلافة، و الخلافة ظهورها؛ بل هي الظاهرة في هذه الحضرة، لاتّحاد الظاهر و المظهر؛ كما أشار إليه في الوحي الإلهي، إشارة لطيفة، بقوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.» [٣٣] و قال شيخنا و أستاذنا في المعارف الإلهيّة، العارف الكامل، الميرزا محمد على الشاهآبادي الأصفهاني، [٣٤] أدام اللّه أيّام بركاته، في أوّل مجلس تشرّفت بحضوره و سألته عن كيفيّة الوحى الإلهي، في ضمن بياناته إنّ «هاء» في قوله تبارك و تعالى:
«إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.» إشارة إلى الحقيقة الغيبيّة النازلة في بنية المحمّديّة الّتي هي حقيقة «ليلة القدر».
مصباح ٢٨
و لعلّك بعد المصابيح الماضية المستنيرة بالأنوار الإلهيّة المنوّرة لقلبك و النفثة الروحيّة النافخة في روعك، عرفت كيفيّة ارتباط هذه الخليفة الكبرى بالأسماء الحسنى و الصفات العليا؛ و أنّ ارتباطها بها ارتباط افتقار و وجود، كما أنّ ارتباط هذه بها ارتباط تجلّ و ظهور؛ فإنّ الحقيقة الغيبيّة الإطلاقيّة لا ظهور لها بحسب حقيقتها،
[٣٢] (الكهف/ ١٠٩)
[٣٣] (القدر/ ١)
[٣٤] الميرزا محمد على بن محمد جواد الحسينآبادى الأصفهاني الشاهآبادى (١٢٩٢- ١٣٦٩ ه.) فقيه، اصولى، عارف و فيلسوف من أساطين القرن الرابع عشر. اشتغل بالتحصيل في حوزات «اصفهان» و «طهران» و أخيرا في «النجف الأشرف». تلمذ عند أخيه، الشيخ احمد، و ايضا محمد هاشم الچهارسوقي في اصفهان؛ و عند الميرزا هاشم الاشكورى و الميرزا حسن الآشتيانى في طهران؛ و عند الآخوند الخراساني و الشريعة الأصفهاني و الميرزا محمد تقى الشيرازي في النجف. ابتدأ بالافادة و التدريس في سامراء، ثم في قم و طهران. و حضر الامام الخمينى (قده) درسه في العرفان و الأخلاق ما بين السنوات ١٣٤٧- ١٣٥٤ ه. و كان الامام (س) يعظمه كثيرا و يذكره مع احترام فائق. و بعد رجوعه من قم سكن طهران و وقف نفسه لإرشاد نفوس الطالبين حتى ما وافته المنية و اختار جوار ربّه. و دفن في مرقد الشيخ ابى الفتوح الرازي، جوار عبد العظيم الحسنى. من آثاره: شذرات المعارف، الإنسان و الفطرة، القرآن و العترة، الايمان و الرجعة، منازل السالكين، و حاشية على كفاية الأصول.