مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٤٧ - نور ٩
الألوهيّة و استهلاكها تحت سطوع نور الربوبيّة، لا حكم لها في نفسها؛ بل لا نفسيّة لها أصلا. فهي ظهور الذات الأحدي في هياكل الممكنات على قدر استحقاقها؛ و بروز الجمال السرمدي في مرآة الكائنات على قدر صفائها. و بها يكسو كسوة الإمكان و يتلبّس بلباس الأكوان؛ فظهر، و استتر، و برز، و ضمر، و تجرّد، و تمثّل، و توحّد، و تكثّر.
فلقد أشار إلى ذلك، بكمال اللطافة، و أرمز، حق الرمز، بقوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.» [٧٠] فانظر بكمال المعرفة سرّها، و تدبّر طورها و غورها، كيف بيّن الحقيقة بألطف بيان و أعذب تبيان، بحيث لا يتوحش عنها الأذهان القاسية و لا ينبو عنها الطباع الغير المستقيمة، مع إظهارها لأهل الحقيقة و المعرفة و بيانها، بأتمّ بيان، لأصحاب القلوب و الأرواح الصافية. فقال: إنّه تعالى ظهور السموات و الأرض. أي، عالم الغيب و الشهادة، و الأرواح و الأشباح. فهو تعالى بكمال تقدّسه ظاهر في مرائيها؛ و ظهورها هو ظهوره تعالى. فانظر كيف مثّل نوره بالمصباح المجلوّ من خلف الزجاجة الرقيقة على البساط.
و لعمري إنّ فيها رموزا على حقائق يعجز عن ذكرها البيان و يكلّ عنه اللسان. و ليست هذه الرسالة موضوعة لذلك؛ فالأولى الكشح عنها و إيكال الأمر إلى أهلها.
نور ٩
و أنت بما تلونا عليك من البيان و رفعنا الحجب عن بصيرتك بالعيان تقدر، بحمد اللّه القادر المنّان، على توفيق كلمات أصحاب الكشف و المعرفة الذوقي، و أرباب الحكمة و الطريق البرهاني. ألا، و إنّها غير متخالف الحقيقة، و إن كان القائل بها متفاوت الطريقة. فإنّ السلوك إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق، [٧١] و إن كان المقصد هو اللّه الخالق. حيث قال الطائفة الأولى في ذلك المقام إنّه، تعالى قدسه، ظهر في مرائي التعيّنات و ملابس المخلوقات، و مجلى الحقائق و مهبط الرقائق؛ كما قال تعالى: «هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ.» [٧٢] و عن النبي، صلّى اللّه عليه و آله و سلم: لو دلّيتم بحبل إلى الأرض السّفلى، لهبطتم على اللّه. [٧٣] و ورد إشارة إلى ذلك أنّ معراج يونس، على نبيّنا و آله و عليه السلام، كان في
[٧٠] (النور/ ٣٥)
[٧١] إشارة الى الحديث النبوي (ص): الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق. شرح گلشن راز، ص ١٥٣. مقدمة شرح القيصري على الفصوص، الفصل الثاني عشر.
[٧٢] (الزخرف/ ٨٤)
[٧٣] علم اليقين ج ١، ص ٥٤ (مع اختلاف يسير). مقدمة القيصري، الفصل الأول.