مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٧٠ - مطلع ١٠
مطلع ٩
إنّ الحقيقة العقليّة التامّة المجرّدة حاكمة على ما سواها، من الحقائق العقليّة و النفوس الكليّة و الجزئيّة الملكوتيّة و البدعيّات و الكائنات الملكيّة الناسوتيّة، ترشدها إلى طرق الهداية و الاستقامة و الكمال، و تسوقها إلى بارئها المتعال، و تقودها إلى فناء الربّ ذي الجلال؛ و لولاها لما عبد اللّه و ما وحّد و ما أطيع و ما سجد. فالعقل هو الّذي أرسله اللّه إلى سكّان جميع العوالم، ليهديها السواء الصراط. فقال له: أقبل إلى المسجونين في ظلمات العوالم الخلقية من عالمك الأمري؛ فأرشدهم إلى دار السرور و عالم يغلو فيه النور على نور. فظهر في كلّ حقيقة بقدر الاستعداد إطاعة لأمر ربّ العباد؛ فهداهم إلى عالم الأسرار و دعاهم إلى محفل الأنس و دار القرار. ثمّ بعد الإرشاد و الهداية، أمره بالرجوع بجميع مظاهره من عالم الدنيا إلى الغاية القصوى و الرفيق الأعلى؛ فقال له: أدبر فأدبر. و هذه الحقيقة هي الّتي أعطاها اللّه تعالى الجنود [١٥٢] في بعض المظاهر المناسبة من عالم القدس، لتقاوم جنود الشيطان و تغلب عليها، و تقود الخلق إلى حزب الرحمن؛ و أودعت فيها من حقائق عالم الغيب الإلهي، ليجذب من هو لائق الجذبة الرحمانيّة.
مطلع ١٠
فإذا انفتح بصيرتك بما ألقي إليك من الأصول و انكشف الامر لديك في ضمن القواعد و الفصول، يمكن لك أن ترتقى بقدم المعرفة إلى أوج الحقيقة، فتعرف بعض ما أرمز في رواية الكافي الشريف عن مولانا، أبي جعفر الباقر، عليه الصلاة و السلام، قال:
لمّا خلق اللّه تعالى العقل، استنطقه. ثمّ قال له: أقبل. فأقبل.
ثمّ قال له: أدبر. فأدبر. ثمّ قال: و عزّتي و جلالي، ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك، و لا أكملتك إلّا فيمن أحبّ. أما، إنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى؛ و إيّاك أثيب؛ و إيّاك أعاقب. [١٥٣]
[١٥٢] «الأصول» من الكافي، ج ١، ص ٢٠، «كتاب العقل و الجهل»، الحديث ١٤.
[١٥٣] «الأصول» من الكافي، ج ١، ص ١٠، «كتاب العقل و الجهل»، الحديث ١.