مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٥٣ - نور ١٤
أصحاب الوحي و التنزيل، التصريح به؛ بل كلّما وصلوا إليه، رمزوا بالقول رمزا، و رفضوا التصريح به رفضا.
و ما وقع من الشطحيّات من بعض أصحاب المكاشفة و السلوك و أرباب الرياضة، فهو لنقصان سلوكهم و بقاء الأنانيّة في سرّهم أو سرّ سرّهم؛ فتجلّى عليهم أنفسهم بالفرعونيّة.
و أمّا السالكون على طريق الشريعة، مع رفض الأنانيّة بجملتها و ترك العبوديّة لأنفسهم برمّتها، مع طهارتها و عدم التوجّه إلى إظهار القدرة و السلطنة و الفرعونيّة، فهم في أعلى مرتبة التوحيد و التقديس، و أجلّ مقامات التكثير؛ و لم يكن التكثير حجابا لهم عن التوحيد؛ و لا التوحيد عن التكثير؛ لقوّة سلوكهم و طهارة نفوسهم و عدم ظهورهم بالربوبيّة الّتي هي شأن الربّ المطلق. مع أنّ هيولى عالم الإمكان مسخّرة تحت يدي الوليّ، يقلّبها كيف يشاء. و جاء لهم في هذا العالم الكتاب من اللّه العزيز الّذي أخبر عنه رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله- على ما نقل- مخاطبا لأهل الجنّة:
من الحيّ القيّوم الّذي لا يموت إلى الحيّ القيّوم الّذي لا يموت. أمّا بعد، فإنّي أقول للشّيء: كن، فيكون؛ و قد جعلتك تقول للشّيء: كن، فيكون. فقال (ص): فلا يقول أحد من أهل الجنّة للشّيء كن، إلّا و يكون. [٩٠]
نور ١٤
و من ذلك المقام إباء الأنبياء المرسلين و الأولياء الراشدين، صلوات اللّه عليهم أجمعين، عن إظهار المعجزات و الكرامات الّتي أصولها إظهار الربوبيّة و القدرة و السلطنة و الولاية في العوالم العالية و السافلة، إلّا في موارد اقتضت المصلحة لإظهارها. و فيها أيضا كانوا يصلّون و يتوجّهون إلى ربّ الأرباب بإظهار الذلّة و المسكنة و العبوديّة و رفض الأنانيّة، و إيكال الأمر إلى بارئه و استدعاء الإظهار عن جاعله و منشئه، علت قدرته. مع أنّ تلك الربوبيّة الظاهرة بأيديهم، عليهم السلام، هي ربوبيّة الحقّ، جلّ و علا، إلّا أنّهم عن إظهارها بأيديهم أيضا يأبون.
[٩٠] علم اليقين، ج ٢، ص ١٠٦١ (مع اختلاف يسير).