مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٥٦ - نور ١٩
نور ١٨
لعلّ الأمانة المعروضة على السموات و الأرض و الجبال الّتي أبين أن يحملنها، و حملها الإنسان الظلوم الجهول، [١٠٢] هي هذا المقام الإطلاقي.
فإنّ السموات و الأرضين و ما فيهنّ محدودات مقيّدات، حتّى الأرواح الكليّة؛ و من شأن المقيّد أن يأبى عن الحقيقة الإطلاقيّة؛ و الأمانة هي ظلّ اللّه المطلق، و ظلّ المطلق مطلق، يأبى كلّ متعيّن عن حملها. و أمّا الإنسان بمقام الظلوميّة الّتي هي التجاوز عن قاطبة الحدودات و التخطّي عن كافّة التعيّنات و اللامقامى المشار إليه بقوله، تعالى شأنه، على ما قيل: «يا أَهْلَ يَثْرِبَ، لا مُقامَ لَكُمْ.» [١٠٣] و الجهوليّة الّتي هي الفناء عن الفناء قابل لحملها. فحملها بحقيقتها الإطلاقيّة حين وصوله إلى مقام «قابَ قَوْسَيْنِ». و تفكّر في قوله تعالى: «أَوْ أَدْنى.» [١٠٤] و أطف السراج، فقد طلع الصبح. [١٠٥]
نور ١٩
اعلم، هداك اللّه طريق الصواب، أنّ هذا المقام، أي الظهور بمقام النبوّة في النشأة العينيّة و إظهار الحقائق الغيبيّة و الأسماء الإلهيّة طبقا لصور الأسماء في النشأة العلمية و الأعيان الثابتة، هو النبوّة للإنسان الكامل؛ أي، الحقيقة المحمديّة (ص) في النشأة الثانية، بل في الحضرة الثالثة، لمكان اتحاد الظاهر و المظهر؛ خصوصا المظهر الأتمّ الإطلاقي الّذي لا تعيّن و لا نفسيّة له.
فالمقام الأوّل، هو الإنباء بالحقيقة الجمعيّة و الاسم الأعظم، أحدية جمع الأسماء، عن لسان غيب الغيوب للحضرات الأسمائيّة و في مقام الواحديّة.
و المقام الثاني، هو الإنباء بالمظهر الأتمّ و المجلي الأعظم، أي العين الثابتة الإنسانيّة، عن لسان الحقيقة الجمعيّة، أي الاسم الأعظم؛ بل عن لسان الغيب أيضا، لعدم الحجاب أصلا لصور الأسماء الإلهيّة، أي الأعيان الثابتة.
و مقامنا هذا، أي ثالث المقامات الّذي كلامنا فيه، هو الإنباء بالمظهر الأتمّ في النشأة العينيّة، أي الحقيقة الإنسانيّة في عالم الأمر، عن لسان العين الثابتة حقيقتها العلميّة، بل عن الاسم الأعظم؛ بل عن مقام الغيب، لما عرفت.
[١٠٢] إشارة الى الآية المباركة: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.» (الأحزاب/ ٧٢).
[١٠٣] (الأحزاب/ ١٣).
[١٠٤] (النجم/ ٩).
[١٠٥] أورده القاضي نور اللّه التستري ضمن حديث لعليّ (ع). مجالس المؤمنين، ج ٢، ص ١١، «المجلس» السادس. و ايضا: كلمات مكنونة، ص ٣٢.