صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ١١٣ - خطاب
عليكم ان تكتسبوا الإيمان بالله- تعالى- لكي تكون لكم تلك القوة، ولو توكلنا على الله، لما رهبنا شيئاً. أما إذا كان عملنا من أجل الدنيا، فعلينا أن نرهب كل شيء، فلو كان سعي من أجل الحصول على الدنيا، فلماذا أضحي بدنياي من اجل الحصول على الدنيا؟!
الذي يضحي بشبابه لا يخسر شيئاً إذا كان متوكلًا على الله، لانه سيفوز برضا الله وبالحياة الاسمى والأرفع من هذه الحياة الدنيا.
أما إذا كان سعيه من أجل الدنيا، فالأمر ينتهي إذا قدم حياته من أجلها، لكنه ينتهي هنا، وعليه أن يلاقي في العالم الآخر خسائر اخرى. إجتهدوا من أجل ان تكون أعمالكم وقيامكم لله: (أعظكم بواحدة ان تقوموا لله مثنى وفرادى) [١٥]، فالموعظة واحدة وهي إلهية يأمر الله- تبارك وتعالى- نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم- بأن يعظ الناس بها، وهي: أن يكون تحركهم وقيامهم خالصاً لله، لا أن يكون سعياً الى اعتبار ما أو جاه أو منصب أو مالٍ او غير ذلك.
فاذا كان القيام لله كان الله عماده، وظهرت في النفس حالة من الاطمئنان لا سبيل للهزيمة مع وجودها.
تظهر في الانسان حالة نفسانية خاصة نتيجة اتصاله بالقوة الأزلية، وحال الذي يتحرك اتباعاً لإرادة الذات المقدسة للحق- تبارك وتعالى- هو كحال القطرة المتصلة لبحر المحيط الذي لا انتهاء له. نحن لسنا شيئاً بأنفسنا، نحن مثل القطرة بل، أصغر منها، لكننا إذا اتصلنا بذاك البحر غير المتناهي اكتسبنا حكمه: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [١٦].
فالله- تبارك وتعالى- يقول للنبي: انك أنت الذي رميت السهم، لكنك لم ترمه بنفسك، بل الله الذي رمى، أي أن يدك هي يد الله، ورميك هو رمي الله، لانك اتصلت به- تعالى- ولم تعد شيئاً بنفسك، فكل الموجود هو- تبارك وتعالى- وفي هذه الحالة يكون الحال (ما رميت إذ رميت)، أي انك رميت، لكنك لم ترم في الواقع، وإنما رميت في الظاهر، والرامي يد الله، والذين بايعوك (إنما يبايعون الله) [١٧]، فالبيعة هي مع الله، لانه (ص) متصل بالله، وهو القوة المطلقة، ولذلك فان البيعة لهذه اليد هي بيعة لله- تبارك وتعالى- لان هذه اليد ليست يد (النفس) بل هي يد الله.
وهذا بالطبع مقام سام لا يتيسر لي ولكم الوصول اليه، لكنّ العمل في سبيل الله ممكن لنا.
تارةً لا يرى المرء سوى الله، ولا يتحرك إلا لله، ولايريد الا ما يريد الله، ولا يسير الا (سير الله)، فالصراط صراطه- تعالى- وليس صراط نفسه، فلا يبقى أثر لنفسه، إذ إنه يفني هذه (النفسانية) وتحل محلها تلك القوة المطلقة، وهذه هي الحال في مرتبة (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) أو هي مرتبة أسمى من هذه.
وتارة اخرى لا تتحقق هذه الحالة، ولكن يكون العمل لله مع ذلك، أنتم تقومون لله ونهضتكم هي في سبيله، لأن هدفها هو إقامة أحكام الله، فأنتم لا تريدون الوصول الى مقصد دنيوي، أو استغلال الفرصة لتحقيق ذلك، بل إنكم ترون الاخطار تحيط بدين الله وبعباده الذين يحوطهم برعايته، فعباد الله يقاسون العذاب على يد هذا الظالم، وأنتم تريدون إنقاذ عباد الله وليس
[١٥] سورة سبأ/ الآية ٤٦.
[١٦] سورة الأنفال/ الآية ١٧.
[١٧] سورة الفتح/ الآية ١٠.