دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٥٤
اعلم أنّ سبيلك أوّلا أن تعلم أن ليست المزيّة- التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، و المبالغة التي تدّعي لها- في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم إليها بخبره، و لكنها في طريق إثباته لها و تقريره إياها.
تفسير هذا: أن ليس المعنى إذا قلنا: «إن الكناية أبلغ من التصريح»، أنّك لمّا كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ و آكد و أشدّ. فليست المزيّة في قولهم: «جمّ الرماد»، أنه دلّ على قرى أكثر، بل أنّك أثبتّ له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، و أوجبته إيجابا هو أشدّ، و ادّعيته دعوى أنت بها أنطق، و بصحّتها أوثق.
و كذلك ليست المزية التي تراها لقولك: «رأيت أسدا»، على قولك: رأيت رجلا لا يتميّز عن الأسد في شجاعته و جرأته أنك قد أفدت بالأوّل زيادة في مساواته الأسد، بل أن أفدت تأكيدا و تشديدا و قوة في إثباتك له هذه المساواة، و في تقريرك لها. فليس تأثير الاستعارة إذن في ذات المعنى و حقيقته، بل في إيجابه و الحكم به.
و هكذا قياس «التّمثيل»، ترى المزيّة أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى دون المعنى نفسه. فإذا سمعتهم يقولون: إنّ من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نبلا و فضلا، توجب لها شرفا، و أن تفخّمها في نفوس السامعين، و ترفع أقدارها عند المخاطبين، فإنهم لا يريدون الشجاعة و القرى و أشباه ذلك من معاني الكلم المفردة، و إنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له و يخبر بها عنه.
هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبدا، و أن يعلم أن ليس لنا- إذا نحن تكلمنا في البلاغة و الفصاحة- مع معاني الكلم المفردة شغل، و لا هي منا بسبيل، و إنّما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف و التركيب. و إذ قد عرفت مكان هذه المزيّة و المبالغة التي لا تزال تسمع بها، و أنها في الإثبات دون المثبت، فإنّ لها في كل واحد من هذه الأجناس سببا و علة.
أما «الكناية»، فإنّ السبب في أن كان للإثبات بها مزيّة لا تكون للتصريح، أنّ كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه، أنّ إثبات الصفة بإثبات دليلها، و إيجابها بما هو شاهد في وجودها، آكد و أبلغ في الدّعوى من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجا
[١] المعنى: «أن تعلم أن ليست المزية ... في أنفس المعاني».
[٢] المعنى: «أن ليس لنا ... مع معاني الكلم».