دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٤٨
و إن تعسّف متعسّف في تلاؤم الحروف، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز، و أخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزا، كان الوجه أن يقال له: إنّه يلزمك، على قياس قولك، أن تجوّز أن يكون هاهنا نظم للألفاظ و ترتيب، لا على نسق المعاني، و لا على وجه يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزا. و كفى به فسادا.
فإن قال قائل: إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى يكون اللفظ مع ذلك دالّا، و ذاك أنه إنّما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف، إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني، كما أنه إنّما تصعب مراعاة السجع و الوزن، و يصعب كذلك التجنيس و الترصيع، إذا روعي معه المعنى.
قيل له: فأنت الآن، إن عقلت ما تقول، قد خرجت من مسألتك، و تركت أن يستحقّ اللّفظ المزيّة من حيث هو لفظ، و جئت تطلب لصعوبة النظم فيما بين المعاني طريقا، و تضع له علّة غير ما يعرفه الناس، و تدّعي أنّ ترتيب المعاني سهل، و أن تفاضل الناس في ذلك إلى حدّ، و أن الفضيلة تزداد و تقوى إذا توخّي في حروف الألفاظ التعادل و التلاؤم. و هذا منك و هم.
و ذلك أنا لا نعلم لتعادل الحروف معنى سوى أن تسلم من نحو ما تجده في بيت أبي تمام:
كريم متى أمدحه و الورى و بيت ابن يسير:
و انثنت نحو عزف نفس ذهول و ليس اللفظ السليم من ذلك بمعوز، و لا بعزيز الوجود، و لا بالشيء لا يستطيعه إلا الشاعر المفلق و الخطيب البليغ، فيستقيم قياسه على السجع و التجنيس و نحو ذلك، مما إذا رامه المتكلم صعب عليه تصحيح المعاني و تأدية الأغراض.
فقولنا: «أطال اللّه بقاءك، و أدام عزّك، و أتمّ نعمته عليك، و زاد في إحسانه عندك»، لفظ سليم مما يكدّ اللسان، و ليس في حروفه استكراه، و هكذا حال كلام الناس في كتبهم و محاوراتهم، لا تكاد تجد فيه هذا الاستكراه، لأنه إنما هو شيء يعرض للشاعر إذا تكلف و تعمّل، فأمّا المرسل نفسه على سجيّتها، فلا يعرض له ذلك.
هذا، و المتعلّل بمثل ما ذكرت- من أنه إنما يكون تلاؤم الحروف معجزا بعد
[١] سبق تخريجه.
[٢] سبق تخريجه.