دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٤٣
في أن لا حال للفظة مع صاحبتها تعتبر إذا أنت عزلت دلالتهما جانبا؟ و أيّ مساغ للشكّ في أنّ الألفاظ لا تستحقّ من حيث هي ألفاظ، أن تنظم على وجه دون وجه؟.
و لو فرضنا أن تنخلع من هذه الألفاظ، التي هي لغات، دلالتها لما كان منها أحقّ بالتقديم من شيء، و لا تصوّر أن يجب فيها ترتيب و نظم.
و لو حفّظت صبيّا شطر «كتاب العين» أو «الجمهرة»، من غير أن تفسّر له شيئا منه، و أخذته بأن يضبط صور الألفاظ و هيآتها، و يؤدّيها كما يؤدي أصناف أصوات الطيور، لرأيته و لا يخطر له ببال أنّ من شأنه أن يؤخّر لفظا و يقدّم آخر، بل كان حاله حال من يرمي الحصى و يعدّ الجوز، اللهم إلّا أن تسومه أنت أن يأتي بها على حروف المعجم ليحفظ نسق الكتاب.
و دليل آخر، و هو أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون الغرض ترتيب المعاني في النفس، ثم النطق بالألفاظ على حذوها، لكان ينبغي أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه، لأنهما يحسّان بتوالي الألفاظ في النطق إحساسا واحدا، و لا يعرف أحدهما في ذلك شيئا يجهله الآخر.
و أوضح من هذا كلّه، و هو أن هذا «النظم» الذي يتواصفه البلغاء، و تتفاضل مراتب البلاغة من أجله، صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة. و إذا كانت ممّا يستعان عليها بالفكرة، و يستخرج بالرّويّة، فينبغي أن ينظر في الفكر، بما ذا تلبّس؟
أ بالمعاني أم بالألفاظ؟ فأيّ شيء وجدته الذي تلبّس به فكرك من بين المعاني و الألفاظ، فهو الذي تحدث فيه صنعتك، و تقع فيه صياغتك و نظمك و تصويرك.
فمحال أن تتفكر في شيء و أنت لا تصنع فيه شيئا، و إنما تصنع في غيره. لو جاز ذلك، لجاز أن يفكّر البنّاء في الغزل، ليجعل فكره فيه وصلة إلى أن يصنع من الآجرّ، و هو من الإحالة المفرطة.
فإن قيل: «النظم» موجود في الألفاظ على كل حال، و لا سبيل إلى أن يعقل الترتيب الذي تزعمه في المعاني، ما لم تنظم الألفاظ و لم ترتّبها على الوجه الخاصّ.
قيل: إن هذا هو الذي يعيد هذه الشّبهة جذعة أبدا، و الذي يحلّها: أن تنظر أ تتصوّر أن تكون معتبرا مفكّرا في حال اللفظ مع اللفظ حتّى تضعه بجنبه أو قبله، و أن تقول: «هذه اللفظة إنّما صلحت هاهنا لكونها على صفة كذا» أم لا يعقل
[١] الجذع محركة: قبل الثني و الجذع الشاب الحدث. القاموس/ جذع/ [٩١٥] .