دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٩
المعجزة و الحيلة، فكان ذلك منهم من أعظم البرّ؛ إذ كان الغرض كريما و القصد شريفا.
هذا، و إذا نحن رجعنا إلى ما قدّمنا من الأخبار، و ما صحّ من الآثار، وجدنا الأمر على خلاف ما ظنّ هذا السائل، و رأينا السبيل في منع النبي صلى اللّه عليه و سلم الوزن، و أن ينطلق لسانه بالكلام الموزون، غير ما ذهبوا إليه، و ذاك أنّه لو كان منع تنزيه و كراهة، لكان ينبغي أن يكره له سماع الكلام موزونا، و أن ينزّه سمعه عنه كما نزّه لسانه، و لكان صلى اللّه عليه و سلم لا يأمر به و لا يحثّ عليه، و كان الشاعر لا يعان على وزن الكلام و صياغته شعرا، و لا يؤيّد فيه بروح القدس.
و إذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يعلم أن ليس المنع في ذلك منع تنزيه و كراهة، بل سبيل الوزن في منعه عليه السلام إياه سبيل الخطّ، حين جعل عليه السلام لا يقرأ و لا يكتب، في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخطّ، بل لأن تكون الحجة أبهر و أقهر، و الدلالة أقوى و أظهر، و لتكون أكعم للجاحد، و أقمع للمعاند، و أردّ لطالب الشبهة، و أمنع من ارتفاع الريبة.
و أما التعلّق بأحوال الشعراء بأنه قد ذمّوا في كتاب اللّه تعالى، فما أرى عاقلا يرضى به أن يجعله حجّة في ذمّ الشعر و تهجينه، و المنع من حفظه و روايته، و العلم بما فيه من بلاغة، و ما يختصّ به من أدب و حكمة، ذاك لأنه يلزم على قود هذا القول أن يعيب العلماء في استشهادهم بشعر امرئ القيس و أشعار أهل الجاهليّة في تفسير القرآن، و في غريبه و غريب الحديث، و كذلك يلزمه أن يدفع سائر ما تقدّم ذكره من أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم بالشّعر، و إصغائه إليه، و استحسانه له.
هذا و لو كان يسوغ ذمّ القول من أجل قائله، و أنه يحمل ذنب الشاعر على الشعر، لكان ينبغي أن يخصّ و لا يعمّ، و أن يستثنى، فقد قال اللّه عزّ و جلّ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً [الشعراء: ٢٢٧]. و لو لا أن القول يجرّ بعضه بعضا، و أنّ الشيء يذكر لدخوله في القسمة، لكان حقّ هذا و نحوه أن لا يتشاغل به، و أن لا يعاد و يبدأ في ذكره.
و أمّا زهدهم في النحو و احتقارهم له، و إصغارهم أمره، و تهاونهم به، فصنيعهم
[١] أكعم اسم تفضيل من «كعم». كعم البعير: قيل شدّ فاه في هياجه لئلا يعض أو يأكل. اه اللسان/ كعم/ (١٢/ ٥٢٢).
[٢] أي: على سياقه.