دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٨٢
فيه كناية أو استعارة أو تمثيل، كان لذلك فصيحا، لوجب أن يكون إذا لم توجد فيه هذه المعاني فصيحا أيضا». ذاك لأن تفسير «الكناية» أن نتركها و نصرّح بالمكنّي عنه فنقول: إن المعنى في قولهم: «هو كثير رماد القدر»، أنه كثير القرى و كذلك الحكم في «الاستعارة»، فإنّ تفسيرها أن نتركها، و نصرّح بالتشبيه فنقول في «رأيت أسدا»: إن المعنى: رأيت رجلا يساوي الأسد في الشجاعة و كذلك الأمر في «التمثيل»، لأنّ تفسيره أن نذكر المتمثّل له فنقول في قوله: «أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى»: إن المعنى أنه قال: أراك تتردّد في أمر البيعة فتقول تارة أفعل، و تارة لا أفعل، كمن يريد الذّهاب في وجه، فتريه نفسه تارة أن الصواب في أن يذهب، و أخرى أنه في أن لا يذهب، فهو يقدّم رجلا و يؤخر أخرى. و هذا خروج عن المعقول، لأنه بمنزلة أن تقول لرجل قد نصب لوصف علّة: «إن كان هذا الوصف يجب لهذه العلة، فينبغي أن يجب مع عدمها».
ثم إنّ الذي استهواهم، هو أنهم نظروا إلى تفسير ألفاظ اللغة بعضها ببعض، فلما رأوا اللفظ إذا فسّر بلفظ، مثل أن يقال في «الشرجب» إنه الطويل، لم يجز أن يكون في المفسّر من حيث المعنى، مزيّة لا تكون في التفسير ظنوا أن سبيل ما نحن فيه ذلك السبيل. و ذلك غلط منهم، لأنه إما كان للمفسّر، فيما نحن فيه، الفضل و المزيّة على التّفسير، من حيث كانت الدّلالة في المفسّر دلالة معنى على معنى، و في التفسير دلالة لفظ على معنى. و كان من المركوز في الطّباع، و الرّاسخ في غرائز العقول، أنه متى أريد الدّلالة على معنى، فترك أن يصرّح به و يذكر باللّفظ الذي هو له في اللغة، و عمد إلى معنى آخر فأشير به إليه، و جعل دليلا عليه كان للكلام بذلك حسن و مزيّة لا يكونان إذا لم يصنع ذلك، و ذكر بلفظه صريحا.
و لا يكون هذا الذي ذكرت أنّه سبب فضل المفسّر على التفسير، من كون الدّلالة في المفسّر دلالة معنى على معنى، و في التفسير دلالة لفظ على معنى، حتى يكون للفظ المفسّر معنى معلوم يعرفه السامع، و هو غير معنى لفظ التفسير في نفسه و حقيقته، كما ترى من أنّ الّذي هو معنى اللفظ في قولهم: «هو كثير رماد القدر»، غير الّذي هو معنى اللفظ في قولهم: «هو كثير القرى»، و لو لم يكن كذلك، لم يتصوّر أن يكون هاهنا دلالة معنى على معنى.
و إذ قد عرفت هذه الجملة، فقد حصل لنا منها أن المفسّر يكون له دلالتان:
دلالة اللّفظ على المعنى، و دلالة المعنى الذي دلّ اللّفظ عليه على معنى لفظ آخر و لا