دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٧٢
اعلم أن قولهم: «إنّ التفسير يجب أن يكون كالمفسّر»، دعوى لا تصحّ لهم إلا من بعد أن ينكروا الذي بيّنّاه، من أن من شأن المعاني أن تختلف بها الصّور، و يدفعوه أصلا، و حتّى يدّعوا أنه لا فرق بين «الكناية» و «التصريح»، و أنّ حال المعنى مع «الاستعارة» كحاله مع ترك الاستعارة، و حتى يبطلوا ما أطبق عليه العقلاء من أنّ «المجاز» يكون أبدا أبلغ من الحقيقة، فيزعموا أن قولنا: «طويل النجاد» و «طويل القامة» واحد، و أن حال المعنى في بيت ابن هرمة. [من المنسرح] و لا أبتاع إلّا قريبة الأجل كحاله في قولك: أنا مضياف و أنك إذا قلت: «رأيت أسدا»، لم يكن الأمر أقوى من أن تقول: «رأيت رجلا هو من الشجاعة بحيث لا ينقص عن الأسد»، و لم تكن قد زدت في المعنى بأن ادّعيت له أنه أسد بالحقيقة و لا بالغت فيه و حتى يزعموا أنه لا فضل و لا مزيّة لقولهم: «ألقيت حبله على غاربه»، على قولك في تفسيره: «خلّيته و ما يريد، و تركته يفعل ما يشاء» و حتّى لا يجعلوا للمعنى في قوله تعالى: وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]، مزيّة على أن يقال: «اشتدّت محبتهم للعجل و غلبت على قلوبهم»- و أن تكون صورة المعنى في قوله عز و جل:
وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، صورته في قول من يقول: «و شاب رأسي كلّه» و «ابيض رأسي كلّه» و حتى لا يروا فرقا بين قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، و بين: «فما ربحوا في تجارتهم» و حتى يرتكبوا جميع ما أريناك الشناعة فيه، من أن لا يكون فرق بين قول المتنبي:
و تأبى الطّباع على النّاقل و بين قولهم: «إنّك لا تقدر أن تغيّر طباع الإنسان» و يجعلوا حال المعنى في قول أبي نواس: [من السريع]
و ليس للّه بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد