دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٥٣
و مما تجدهم يعتمدونه و يرجعون إليه قولهم: «إنّ المعاني لا تتزايد، و إنّما تتزايد الألفاظ»، و هذا كلام إذا تأمّلته لم تجد له معنى يصحّ عليه، غير أن تجعل «تزايد الألفاظ» عبارة عن المزايا التي تحدث من توخّي معاني النحو و أحكامه فيما بين الكلم، لأن التّزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ و نطق لسان، محال.
ثم إنّا نعلم أنّ المزية المطلوبة في هذا الباب، مزيّة فيما طريقه الفكر و النّظر من غير شبهة، و محال أن يكون اللفظ له صفة تستنبط بالفكر، و يستعان عليها بالرّويّة، اللّهم إلا أن تريد تأليف النّغم، و ليس ذلك مما نحن فيه بسبيل.
و من هاهنا لم يجز، إذا عدّ الوجوه التي تظهر بها المزيّة، أن يعدّ فيها الإعراب، و ذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلّهم، و ليس هو مما يستنبط بالفكر، و يستعان عليه بالرويّة. فليس أحدهم، بأنّ إعراب الفاعل الرفع أو المفعول النصب، و المضاف إليه الجرّ، بأعلم من غيره، و لا ذاك مما يحتاجون فيه إلى حدّة ذهن و قوّة خاطر، إنّما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك، العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، و كقول الفرزدق: [من الطويل] سقتها خروق في المسامع و أشباه ذلك، ممّا يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدقّ، و من طريق تلطّف، و ليس يكون هذا علما بالإعراب، و لكن بالوصف الموجب للإعراب.
و من ثمّ لا يجوز لنا أن نعتدّ في شأننا هذا بأن يكون المتكلّم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما يقال «إنه أفصحهما»، أو بأن يكون قد تحفّظ مما تخطئ فيه العامّة، و لا بأن يكون قد استعمل الغريب، لأن العلم بجميع ذلك لا يعدو أن يكون علما باللغة، و بأنفس الكلم المفردة، و بما طريقه طريق الحفظ، دون ما يستعان عليه بالنّظر، و يوصل إليه بإعمال الفكر. و لئن كانت العامّة و أشباه العامّة لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك، فإن من ضعف النّحيزة إخطار مثله في الفكر، و إجراءه في الذّكر، و أنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز، أ ترى أن العرب تحدّوا أن يختاروا الفتح في الميم من «الشّمع»، و الهاء من «النّهر» على الإسكان، و أن يتحفظوا من
[١] راجع هامش [١] ص [١٩٦] .
[٢] النحيزة: أي الطبيعة. اه القاموس مادة/ نحز/ [٦٧٧] .