دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٢
المحامد، داعيا و محرّضا، و باعثا و محضّضا، و مذكّرا و معرّفا، و واعظا و مثقّفا. فلو كنت ممّن ينصف كان في بعض ذلك ما يغيّر هذا الرأي منك، و ما يحدوك على رواية الشعر و طلبه، و يمنعك أن تعيبه أو تعيب به، و لكنك أبيت إلّا ظنّا سبق إليك، و إلا بادي رأي عنّ لك، فأقفلت عليك قلبك، و سددت عما سواه سمعك، فعيّ النّاصح بك، و عسر على الصديق الخليط تنبيهك.
نعم، و كيف رويت: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، فيريه، خير له من أن يمتلئ شعرا»، و لهجت به، و تركت قوله صلى اللّه عليه و سلم: «إنّ من الشّعر لحكمة و إنّ من البيان لسحرا» و كيف نسيت أمره صلى اللّه عليه و سلم بقول الشعر، و وعده. عليه الجنة، و قوله لحسان: «قل و روح القدس معك»، و سماعه له، و استنشاده إيّاه، و علمه صلى اللّه عليه و سلم به، و استحسانه له، و ارتياحه عند سماعه؟.
أمّا أمره به، فمن المعلوم ضرورة، و كذلك سماعه إيّاه، فقد كان حسّان و عبد اللّه بن رواحة و كعب بن زهير يمدحونه، و يسمع منهم، و يصغي إليهم، و يأمرهم بالردّ على المشركين، فيقولون في ذلك و يعرضون عليه. و كان عليه السلام يذكر لهم بعض ذلك، كالذي روي من أنه صلى اللّه عليه و سلم قال لكعب: «ما نسي ربّك، و ما كان ربّك نسيّا، شعرا قلته»، قال: و ما هو يا رسول اللّه؟ قال: أنشده يا أبا بكر. فأنشده أبو بكر رضوان اللّه عليه: [من الكامل]
زعمت سخينة أن ستغلب ربّها
و ليغلبنّ مغالب الغلّاب