دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٢٨
فصل في نكتة تتّصل بالكلام الذي تضعه «بما» و «إلّا»
اعلم أن الذي ذكرناه من أنك تقول: «ما ضرب إلا عمرو زيدا»، فتوقع الفاعل و المفعول جميعا بعد «إلّا»، ليس بأكثر الكلام، و إنما الأكثر إن تقدّم المفعول على «إلا»، نحو: «ما ضرب زيدا إلّا عمرو»، حتّى أنهم ذهبوا فيه أعني في قولك: «ما ضرب إلّا عمرو زيدا» إلى أنّه على كلامين، و أنّ «زيدا» منصوب بفعل مضمر، حتى كأنّ المتكلّم بذلك أبهم في أوّل أمره فقال: «ما ضرب إلّا عمرو» ثم قيل له: «من ضرب؟» فقال: «ضرب زيدا».
و هاهنا، إذا تأملت، معنى لطيف يوجب ذلك، و هو أنّك إذا قلت: «ما ضرب زيدا إلّا عمرو»، كان غرضك أن تختصّ «عمرا» «بضرب» «زيد»، لا بالضرب على الإطلاق. و إذا كان كذلك، وجب أن تعدّي الفعل إلى المفعول من قبل أن تذكر «عمرا» الذي هو الفاعل، لأن السامع لا يعقل عنك أنك اختصصته بالفعل معدّى حتى تكون قد بدأت فعدّيته أعني لا يفهم عنك أنك أردت أن تختصّ «عمرا» بضرب «زيد»، حتى تذكره له معدّى إلى «زيد»، فأمّا إذا ذكرته غير معدّى فقلت:
«ما ضرب إلّا عمرو»، فإنّ الذي يقع في نفسه أنك أردت أن تزعم أنّه لم يكن من أحد غير «عمرو» ضرب، و أنه ليس هاهنا مضروب إلّا و ضاربه عمرو، فاعرفه أصلا في شأن التقديم و التأخير.
فصل [من إنّما]
إن قيل: قد مضيت في كلامك كلّه على أنه «إنّما» للخبر لا يجهله المخاطب، و لا يكون ذكرك له لأن تفيده إياه، و إنّا لنراها في كثير من الكلام، و القصد بالخبر بعدها أن تعلم السامع أمرا قد غلط فيه بالحقيقة، و احتاج إلى معرفته، كمثل ما ذكرت في أوّل الفصل الثاني من قولك: «إنّما جاءني زيد لا عمرو»، و تراها كذلك تدور في الكتب للكشف عن معان غير معلومة، و دلالة المتعلّم منها على ما لا يعلم.
قيل: أمّا ما يجيء في الكلام من نحو: «إنما جاء زيد لا عمرو»، فإنه و إن كان يكون إعلاما لأمر لا يعلمه السامع، فإنه لا بدّ مع ذلك من أن يدّعى هناك فضل