دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٢٠
و هي أنك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء و نفيه عن غيره دفعة واحدة في حال واحدة. و ليس كذلك الأمر في: «جاءني زيد لا عمرو»، فإنك تعقلهما في حالين و مزيّة ثانية، و هي أنها تجعل الأمر ظاهرا في أنّ الجائي «زيد»، و لا يكون هذا الظهور إذا جعلت الكلام «بلا» فقلت: «جاءني زيد لا عمرو».
ثم اعلم أن قولنا في «لا» العاطفة: «إنها تنفي عن الثاني ما وجب للأول»، ليس المراد به أنها تنفي عن الثاني أن يكون قد شارك الأول في الفعل، بل أنها تنفي أن يكون الفعل الذي قلت إنه كان من الأوّل، قد كان من الثاني دون الأوّل. أ لا ترى أن ليس المعنى في قولك: «جاءني زيد لا عمرو»، أنه لم يكن من عمرو مجيء إليك مثل ما كان من «زيد»، حتّى كأنه عكس قولك: «جاءني زيد و عمرو»، بل المعنى أن الجائي هو زيد لا عمرو، فهو كلام تقوله مع من يغلط في الفعل قد كان من هذا، فيتوهم أنه كان من ذلك.
و النّكتة أنه لا شبهة في أن ليس هاهنا جائيان، و أنه ليس إلّا جاء واحد، و إنما الشّبهة في أن ذلك الجائي زيد أم عمرو، فأنت تحقّق على المخاطب بقولك:
«جاءني زيد لا عمرو»، أنه «زيد» و ليس بعمرو.
و نكتة أخرى: و هي أنك لا تقول: «جاءني زيد لا عمرو»، حتى يكون قد بلغ المخاطب أنه كان مجيء إليك من جاء، إلّا أنه ظنّ أنه كان من «عمرو»، فأعلمته أنه لم يكن من «عمرو» و لكن من «زيد».
و إذ عرفت هذه المعاني في الكلام «بلا» العاطفة، فاعلم أنها بجملتها قائمة لك في الكلام «بإنما». فإذا قلت: «إنما جاءني زيد»، لم يكن غرضك أن تنفي أن يكون قد جاء مع «زيد» غيره، و لكن أن تنفي أن يكون المجيء الذي قلت إنه كان منه، كان من «عمرو». و كذلك تكون الشّبهة مرتفعة في أن ليس هاهنا جائيان، و أن ليس إلّا جاء واحد، و إنما تكون الشّبهة في أن ذلك الجائي «زيد» أم «عمرو». فإذا قلت: «إنما جاءني زيد»، حقّقت الأمر في أنه «زيد». و كذلك لا تقول: «إنما جاءني زيد»، حتى يكون قد بلغ المخاطب أن قد جاءك جاء، و لكنه ظن أنه «عمرو» مثلا، فأعلمته أنه «زيد».
فإن قلت: فإنّه قد يصحّ أن تقول: «إنّما جاءني من بين القوم زيد وحده، و إنما أتاني من جملتهم عمرو فقط»، فإن ذلك شيء كالتكلّف، و الكلام هو الأول، ثم الاعتبار به إذا أطلق فلم يقيّد «بوحده» و ما في معناه. و معلوم أنك إذا قلت: «إنّما جاءني زيد»، و لم تزد على ذلك، أنّه لا يسبق إلى القلب من المعنى إلا ما قدّمنا