دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٩
فينبغي أن يذمّ الكلام كلّه، و أن يفضّل الخرس على النّطق، و العيّ على البيان. فمنثور كلام الناس على كل حال أكثر من منظومه، و الذي زعم أنه ذمّ الشعر من أجله و عاداه بسببه فيه أكثر، لأن الشعراء في كل عصر و زمان معدودون، و العامّة و من لا يقول الشعر من الخاصّة عديد الرمل. و نحن نعلم أن لو كان منثور الكلام يجمع كما يجمع المنظوم، ثم عمد عامد فجمع ما قيل من جنس الهزل و السخف نثرا في عصر واحد، لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما في الأزمان الكثيرة، و لغمره حتى لا يظهر فيه.
ثم إنّك لو لم ترو من هذا الضرب شيئا قطّ، و لم تحفظ إلا الجدّ المحض، و إلا ما لا معاب عليك في روايته، و في المحاضرة به، و في نسخه و تدوينه، لكان في ذلك غنى و مندوحة، و لوجدت طلبتك و نلت مرادك، و حصل لك ما نحن ندعوك إليه من علم الفصاحة، فاختر لنفسك، و دع ما تكره إلى ما تحبّ.
هذا، و راوي الشعر حاك، و ليس على الحاكي عيب، و لا عليه تبعة، إذا هو لم يقصد بحكايته أن ينصر باطلا، أو يسوء مسلما، و قد حكى اللّه تعالى كلام الكفار.
فانظر إلى الغرض الذي له روي الشعر، و من أجله أريد، و له دوّن، تعلم أنك قد زغت عن المنهج، و أنك مسيء في هذه العداوة، و هو العصبية منك على الشعر. و قد استشهد العلماء لغريب القرآن و إعرابه بالأبيات فيها الفحش، و فيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يعبهم ذلك؛ إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش و لم يريدوه، و لم يرووا الشعر من أجله.
قالوا: و كان الحسن البصريّ رحمه اللّه يتمثّل في مواعظه بالأبيات من الشعر، و كان من أوجعها عنده: [من الكامل]
اليوم عندك دلّها و حديثها
و غدا لغيرك كفّها و المعصم