جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ٢٢١ - الاحتمال الثالث الارتباط بالمصالح العاجلة
و للرائحة الطيبة، و للطعم اللذيذ ادراكاً للملائم، فتنبسط عند هذا، و تنقبض عند ذاك، كذلك القوة العاقلة تنبسط و تنقبض بادراك الملائم و المنافر فيكون الشيء ملائماً و منافراً لها بملاك السنخية و عدمها من حيث سعة الوجود و ضيقه، و لا نريد بالحسن و القبح العقليين إلا ذلك، و هو يكفي لصحة المدح في الأول، و صحة الذم في الثاني (١).
و يرد عليه اولًا: ان في ذلك خلطاً بين المدرك بالذات و المدرك بالعرض، بعد فرض الاعتراف بالمقدمة الفلسفية التي بنى عليها كلامه، فان القوة العاقلة حين تدرك العدل و الظلم أو أنواعهما ادراكاً تصورياً أو تصديقياً يكون لها مدركاً بالذات، و هو الصورة القائمة في عالم النفس التي هي نفس الادراك حقيقة لاستحالة تعلق الادراك بالخارج، كما حققناه في بحث اجتماع الأمر و النهي، و لها مدرك بالعرض، و هو ما تحكي الصورة عنه، و تكون فانية فيه فناء المرآة في ذي المرآة.
و بعد هذا التحليل نقول: ان المناسبة بين القوة العاقلة و بين مدركها التي جعلت ملاكاً للمنافرة و الملاءمة وجوداً و عدماً إما ان تلحظ بين القوة العاقلة و المدرك بالذات، و إما ان تلحظ بين القوة العاقلة و المدرك بالعرض، اما بلحاظ المدرك بالذات الذي هو نفس الادراك فمناسبة القوة العاقلة مع جميع ادراكاتها على حد واحد لأن ادراكات كل قوة مجردة وجودياً بالقدر الذي يناسب صدورها عن تلك القوة، و مناط سعة وجودها هو صدورها عن تلك القوة لا سعة وجود المدرك بالعرض و ضيقه، فادراك القوة العاقلة للجوهر المادي و ادراكها للجوهر المجرد لا يختلفان في تجردهما وسعة وجودهما، من حيث عقلانية القوة الصادر كل منهما عنها، فليس ادراك الجوهر المادي مادياً مثلًا، و ادراك الجوهر المجرد مجرداً ليكون الاول اضيق وجوداً من الثاني وعليه فادراك العقل للظلم و العدل بأي معنى فرض يكون مناسباً للقوة العاقلة على نهج واحد، و لهذا لا يمكن ان يقاس ذلك بالقوى الأخرى الدراكة، كما وقع في كلامه (قدس سره).
(١) الفوائد، المحقق الخراساني، ص ٣٣٠، فائدة في اقتضاء الأفعال للمدح و الذم.