تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ٩١ - الأمر
يحصل بالطلب أو بالإرسال بين المطلوب و المطلوب منه، أو بين المرسَل و المرسَل إليه، و هذا هو المدلول التصوّريّ للصيغة الثابت بالوضع. و للصيغة باعتبارها جملةً تامّةً مكوّنةً من فعل و فاعل مدلولٌ تصديقيّ جدّي بحكم السياق، لا الوضع، إذ تكشف سياقاً عن أمر ثابت في نفس المتكلّم هو الذي دعاه إلى استعمال الصيغة، و في هذه المرحلة تتعدّد الدواعي التي يمكن أن تدلّ عليها الصيغة بهذه الدلالة، فتارةً يكون الداعي هو الطلب، و اخرى الترجّي، و ثالثةً التعجيز، و هكذا، مع انحفاظ المدلول التصوّري للصيغة في الجميع.
هذا كلّه على المسلك المختار المشهور القائل: بأنّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصوّريّة. و أمّا بناءً على مسلك التعهّد القائل: بأنّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصديقيّة، و أنّ المدلول الجدّيّ للجملة التامّة هو المعنى الموضوع له ابتداءً فلا بدّ من الالتزام بتعدّد المعنى في تلك الموارد، لاختلاف المدلول الجدّيّ.
ثمّ إنّ الظاهر من الصيغة أنّ المدلول التصديقيّ الجدّيّ هو الطلب دون سائر الدواعي الاخرى، و ذلك لأنّه: إن قيل بأنّ المدلول التصوّريّ هو النسبة الطلبيّة فواضح أنّ الطلب مصداق حقيقيّ للمدلول التصوّريّ دون سائر الدواعي، فيكون أقرب إلى المدلول التصوّريّ، و ظاهر كلّ كلام أنّ مدلوله التصديقيّ أقرب ما يكون للتطابق و المصداقيّة للمدلول التصوّريّ. و أمّا إذا قيل بأنّ المدلول التصوّريّ هو النسبة الإرساليّة فلأنّ المصداق الحقيقيّ لهذه النسبة إنّما ينشأ من الطلب، لا من سائر الدواعي، فيتعين داعي الطلب بظهور الكلام [١].
----------
[١] توضيح ذلك: أنّ مفهوم (الطّلب) يختلف عن مفهوم (الإرسال) سواء لاحظناهما على نحو المعنى الاسمي أو على نحو المعنى الحرفي فالأوّل مفهوم منتزع من الداعي الطلبي الذي يحصل في قلب الإنسان، و الثاني مفهوم منتزع من عمليّة الإرسال التي يقوم بها الإنسان في الواقع الخارجي على أثر داعي الطلب الموجود في قلبه. إذاً فالمصداق الحقيقيّ الذي ينتزع منه مفهوم (الإرسال) أو (النسبة الإرساليّة) ينشأ من المصداق الحقيقيّ الذي ينتزع منه مفهوم (الطّلب) أو (النسبة الطلبيّة). فإذا كان المدلول التصوّريّ لصيغة الأمر هو النسبة الطلبيّة كان الداعي الطلبي مصداقاً حقيقيّاً لهذا المدلول دون الدواعي الاخرى، و إذا كان المدلول التصوري لها هو النسبة الإرساليّة كان الداعي الطلبيّ هو المنشأ الذي يستتبع المصداق الحقيقيّ لهذا المدلول دون الدواعي الاخرى. إذاً فعلى كلا التقديرين يكون الداعي الطلبيّ أقرب المداليل التصديقيّة إلى المدلول التصوّريّ لصيغة الأمر.