تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ١٢٦ - التطابق بين الدلالات
الكلام في مرحلة الدلالة التصديقية الثانية، أنّ المراد الجدّيّ متطابق مع ما قصد إخطاره في الذهن في مرحلة الدلالة التصديقية الاولى، فإذا قال المتكلّم: (أكرم كلّ جيراني) و عرفنا أنّه يريد أن يخطر في ذهننا صورة العموم، و لكن شككنا في أنّ مراده الجدّيّ هل هو أن نكرم جيرانه جميعاً، أو أن نكرم بعضهم، غير أنّه أتى باللفظ عامّاً و قصد إخطار العموم مجاملةً لجيرانه؟ ففي هذه الحالة نجد أنّ ظاهر حال المتكلّم أنّه جادّ في التعميم، و أنّ مراده الجدّيّ ذلك، و مردّ ذلك في الحقيقة إلى ظهور حال المتكلّم في التطابق بين الدلالة التصديقية الاولى و الدلالة التصديقية الثانية، فما دام الظاهر من الاولى إخطار صورة العموم، فالظاهر من الثانية إرادة العموم جدّاً، و هذا الظهور حجّة، و يطلق على حجّيّته في هذا المثال أصالة العموم.
و قد يقول المتكلّم: (أكرِم فلاناً) و يخطر في ذهننا مدلول الكلام، و لكنّنا نشكّ في أنّه جادٌّ في ذلك، و نحتمل أنّه متأثّر بظروف خاصّة من التقيّة و نحوها [١]، و أنّه ليس له مراد جدّيّ إطلاقاً، و الكلام فيه كالكلام في المثال السابق، فإنّ ظهور التطابق بين الدلالتين التصديقيّتين يقتضي دلالة الكلام على أنّ ما أخطره في ذهننا عند سماع هذا الكلام مراد له جدّاً، و أنّ الجهة التي دعته إلى الكلام هي كون مدلوله مراداً جدِّيّاً له، لا التقيّة، و هذا الظهور حجّة، و يسمّى بأصالة الجهة.
و نلاحظ على ضوء ما تقدّم: أنّ في الكلام ثلاثة ظواهر: أحدها تصوري، و اثنان تصديقيّان، و يختلف التصوري عنهما في أنّ
[١] كالمجاملة و الحياء و غيرهما.