تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ٣٥٩ - التعارض بين الأدلّةِ المحرزة
و قد لا يوجد تناف بين الجعلين و لا بين المجعولين، و لكنّ التنافي في مرحلة امتثال الحكمين المجعولين، بمعنى أنّه لا يمكن امتثالهما معاً، و ذلك كما في حالات الأمرين بالضدّين على وجه الترتّب بنحو يكون الأمر بكلٍّ من الضدّين مثلًا مقيَّداً بترك الضدّ الآخر، فإنّ بالإمكان صدور جعلين لهذين الأمرين معاً، كما أنّ بالإمكان أن يصبح مجعولاهما فعليّين معاً، و ذلك فيما إذا ترك المكلّف كلا الضدّين فيكون كلّ من المجعولين ثابتاً، لتحقّق قيده، و لكنّ التنافي واقع بين امتثاليهما، إذ لا يمكن للمكلّف أن يمتثلهما معاً. و يتلخّص من ذلك: أنّ التنافي و عدم إمكان الاجتماع: تارةً بين نفس الجعلين، و اخرى بين المجعولين، و ثالثةً بين الامتثالين.
و إذا اتّضحت هاتان المقدّمتان فنقول: إذا ورد دليلان على حكمين و حصل التنافي: فإن كان التنافي بين الجعلين لهذين الحكمين فهو تناف بين مدلولي الدليلين، لِمَا عرفت في المقدّمة الاولى من أنّ مدلول الدليل هو الجعل، و يتحقّق التعارض بين الدليلين حينئذ، لأنّ كلًّا منهما ينفي مدلول الدليل الآخر. و إن لم يكن هناك تناف بين الجعلين، بل كان بين المجعولين أو بين الامتثالين فلا يرتبط هذا التنافي بمدلول الدليل، لِمَا عرفت من أنّ فعليّة المجعول فضلًا عن مقام امتثاله ليست مدلولةً للدليل، فلا يحصل التعارض بين الدليلين لعدم التنافي بين مدلوليهما.
و تسمّى حالات التنافي بين المجعولين مع عدم التنافي بين الجعلين بالورود، و يعبّر عن الدليل الذي يكون المجعول فيه نافياً لموضوع المجعول في الدليل الآخر بالدليل الوارد، و يُعبّر عن الدليل الآخر بالمورود [١].
[١] و مثاله: دليل (حجّيّة الأمارة) بالنسبة إلى دليل (حرمة الإفتاء بغير حجّة) فإنّ الأوّل ينفي فرداً من موضوع الدليل الثاني، لأنّ موضوع الدليل الثاني هو (غير الحجّة) و الدليل الأوّل يجعل الأمارة حجّة فيخرجها عن موضوع الدليل الثاني. و لا يخفى أنّ مصطلح (الورود) يختصّ بما إذا كان الدليل الوارد هو النّافي لموضوع المجعول في الدليل المورود كما في المثال الذي ذكرناه و أمّا إذا كان النافي لموضوع المجعول في أحد الدليلين هو تحقّق موضوع الدليل الآخر بوجوده الواقعي و بغضّ النظر عن حكمه كما في مثال التيمّم و الوضوء السابق الذكر فإنّ النافي لموضوع وجوب التيمّم في هذا المثال هو واقع وجدان الماء بغضّ النظر عن كونه موضوعاً لوجوب الوضوء فلا يسمّى ذلك بالورود.