تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ٣٥٨ - التعارض بين الأدلّةِ المحرزة
عبارة عن التنافي بين مدلولي الدليلين على نحو يُعلم بأنّ المدلولين لا يمكن أن يكونا ثابتين في الواقع معاً. و لأجل تحديد مركز هذا التنافي نقدّم مقدّمتين:
الاولى: يجب أن نستذكر فيها ما تقدّم من أنّ الحكم ينحلّ إلى جعل و مجعول، و أنّ الجعل ثابت بتشريع المولى للحكم، و أنّ المجعول لا يثبت إلّا عند تحقّق موضوعه و قيوده خارجاً. و من الواضح أنّ الدليل الشرعيّ اللفظيّ متكفّل لبيان الجعل، لا لبيان المجعول، لأنّ المجعول يختلف من فرد إلى آخر، فهو موجود في حقّ هذا و غير موجود في حقّ ذاك تبعاً لتواجد القيود، فقوله مثلًا: (لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [١] مدلوله جعل وجوب الحجّ على المستطيع، لا تحقّق الوجوب المجعول، لأنّ هذا تابع لوجود الاستطاعة، و لا نظر للمولى إلى ذلك، فمدلول الدليل دائماً هو الجعل لا المجعول.
و الثانية: أنّ التنافي قد يكون بين جعلين، و قد يكون بين مجعولين مع عدم التنافي بين الجعلين، و مثال الأوّل: جعل وجوب الحجّ على المستطيع و جعل حرمة الحجّ على المستطيع، فإنّ التنافي هنا بين الجعلين، لأنّ الأحكام التكليفيّة متضادّة، كما تقدّم، و مثال الثاني: جعل وجوب الوضوء على الواجد للماء و جعل وجوب التيمّم على الفاقد له، فإنّ الجعلين هنا لا تنافي بينهما، إذ يمكن صدورهما معاً من الشارع، و لكنّ المجعولين لا يمكن فعليّتهما معاً، لأنّ المكلّف إن كان واجداً للماء ثبت المجعول الأوّل عليه، و إلّا ثبت المجعول الثاني، و لا يمكن ثبوت المجعولين معاً على مكلّف واحد في حالة واحدة.
[١] سورة آل عمران آية.