تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ٢٤ - مبادئ الحكم التكليفي
إحداهما مرحلة الثبوت للحكم، و الاخرى مرحلة الإثبات و الإبراز، فالمولى في مرحلة الثبوت يحدِّد ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة، و هي ما يسمّى بالملاك، حتى إذا أدرك وجود مصلحة بدرجة معيّنة فيه تولّدت إرادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدركة، و بعد ذلك يصوغ المولى إرادته صياغةً جعليّةً من نوع الاعتبار، فيعتبر الفعل على ذمّة المكلّف.
فهناك إذن في مرحلة الثبوت: (ملاك) و (إرادة) و (اعتبار). و ليس الاعتبار عنصراً ضروريّاً في مرحلة الثبوت، بل يستخدم غالباً كعمل تنظيميٍّ و صياغيٍّ اعتاده المشرِّعون و العقلاء، و قد سار الشارع على طريقتهم في ذلك [١]. و بعد اكتمال مرحلة الثبوت بعناصرها الثلاثة أو بعنصرَيها الأوّلين على أقلّ تقدير تبدأ مرحلة الإثبات، و هي المرحلة التي يُبرِز فيها المولى بجملة إنشائيّة أو خبريّة مرحلة الثبوت بدافع من الملاك و الإرادة، و هذا الإبراز قد يتعلّق بالإرادة مباشرةً، كما إذا قال: (اريد منكم كذا)، و قد يتعلّق بالاعتبار الكاشف عن الإرادة، كما إذا قال: (لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). و إذا تمّ هذا الإبراز من المولى أصبح من حقّه على العبد قضاءً لحقّ مولويّته الإتيان بالفعل، و انتزع العقل عن إبراز المولى لإرادته الصادر منه بقصد التوصّل إلى مراده عناوين متعدّدةً، من قبيل البعث و التحريك و نحوهما. و كثيراً ما يُطلق على الملاك و الإرادة و هما العنصران اللازمان في مرحلة الثبوت اسم (مبادئ الحكم)
----------
[١] سيوافيك في الحلقة الثالثة توضيح أكثر لدور عنصر الاعتبار في عمليّة التشريع. و حاصله: أنّ اعتبار الوجوب مثلًا بالنسبة إلى فعل معيّن يركّز حقّ طاعة المولى في ذلك الفعل، و إن كان الملاك و الإرادة في بعض لوازم ذلك الفعل أو بعض نتائجه لا في ذلك الفعل مباشرة.